البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
يُعتبر الإعلام الحلقة التي تربط بين الأسرة والمدرسة والمجتمع كله، والتي تصنع البيئة الفكرية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان يوميًا. ولذلك، فإن دوره في بناء الإنسان لا يقل عن دور الأسرة والمدرسة، بل قد يساندهما أو يهدم ما تبنيانه.

وبناء الإنسان ليس مشروع وزارة واحدة، ولا مؤسسة واحدة، ولا مدرسة واحدة، ولا الأسرة وحدها، وإنما هو مشروع مجتمعي متكامل، تشترك فيه الأسرة والتعليم والإعلام والثقافة والبحث العلمي ومؤسسات الدولة وسوق العمل.

بناء الإنسان.. منظومة متكاملة

فالأسرة تغرس القيم والسلوكيات الأولى، والمدرسة تبني المعرفة والشخصية والمهارات، بينما يشكل الإعلام الوعي والاتجاهات والنموذج المجتمعي.

وتوفر الجامعة ومؤسسات البحث العلمي المعرفة والبحث والابتكار، فيما تتولى المؤسسات وسوق العمل تحويل المعرفة والعلم والبحث إلى إنتاج وتنمية، ويأتي المجتمع ليحافظ على ما صنعه ويطوره، بما يضمن استمرار مسيرة الحضارة والتنمية.

الإعلام.. شريك في التربية

الإعلام مؤسسة لبناء الوعي وتشكيل الإنسان، وليس مجرد ناقل للأخبار أو وسيلة للترفيه. فالطفل اليوم يتلقى رسائل تربوية من مصادر متعددة، تبدأ بالأسرة والمدرسة والأصدقاء، وتمتد إلى الإنترنت والمنصات الرقمية والتلفزيون والإعلانات.

وهنا تظهر أهمية الإعلام المسؤول؛ لأن ما يشاهده الطفل يمكن أن يتحول من معلومة إلى فكرة، ومن فكرة إلى اتجاه، ومن اتجاه إلى سلوك، ومن سلوك إلى عادة، ثم إلى ثقافة مجتمعية، كما نشاهده الآن في بعض الحفلات والأفلام والمسلسلات.

لذلك، لا يكفي أن نطالب الأسرة والمدرسة بتربية الطفل، بينما تُترك البيئة الإعلامية لتقدم نماذج مخالفة لما تحاول الأسرة والمدرسة غرسه من قيم وسلوكيات.

الإعلام وبناء العقل

يساعد الإعلام في بناء عقل الإنسان من خلال ترسيخ القدرة على السؤال والبحث العلمي المبني على الأدلة، وتنمية التفكير النقدي والتحليلي، والتمييز بين الحقيقة والشائعات، وفهم الأحداث الجارية من أكثر من زاوية، واكتساب الثقافة العلمية، والوصول إلى المعرفة الحقيقية التي تساعد على التعامل الواعي مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، فضلًا عن رفض الخرافات والمعلومات المضللة والكاذبة.

وهنا ننتقل من مفهوم «إعلام ينقل الحدث» إلى «إعلام يساعد في فهم الحدث، ومعرفة ما الذي نتعلمه منه»، وذلك من خلال الاستعانة بشخصيات موثوقة، يشهد لها بالعلم والكفاءة ودقة المعلومات.

الإعلام وصناعة القدوة

لابد من وضع حدود ونظم وهدف واضح لتحديد الشخص الذي يستحق أن يكون قدوة، ويظهر أمام الجمهور ويؤثر فيه.

فقد يتكون لدى الطفل تصور بأن النجاح يعني المال والشهرة فقط. أما إذا أبرز الإعلام العالم والباحث الجاد، والطبيب والممرض الماهرين، والمعلم المتميز، والمهندس والمبتكر، والعامل والحرفي المتقن لصنعته، ورائد الأعمال دون تكبر، والرياضي المنضبط المتواضع، وكذلك صاحب المبادرة المجتمعية الذي يخدم وطنه ومجتمعه، فإنه يعيد تعريف النجاح أمام الأجيال، ويصبح الإعلام مصنعًا للنماذج الإنسانية والقدوات الإيجابية.

الإعلام وبناء العلماء والنابغين

إذا أردنا مجتمعًا ينتج علماء، فيجب أن يرى الطفل كيف يفكر العالم في المشكلة، ولماذا اختارها، وكيف يبحث، وكيف يفشل ثم يحاول، ثم يفشل أو ينجح دون أن ييأس، وكيف يحول المشكلة إلى سؤال علمي، ثم إلى حل لمشكلة مجتمعية، وكيف تتحول الفكرة البحثية إلى تجربة، ثم إلى ابتكار.

ويمكن إنشاء محتوى إعلامي يتعرف من خلاله الأطفال والشباب على المسار الحقيقي للإنجاز العلمي، بما يسهم في صناعة جيل يريد أن يصبح عالمًا ومبتكرًا قبل أن يصبح مشهورًا بلا أساس، أو يسعى إلى جمع المال والشهرة فقط.

الإعلام وبناء السلوك المجتمعي

يمتلك الإعلام قدرة كبيرة على التأثير في السلوك وتغييره بطرق مختلفة، من بينها تعزيز احترام الوقت، واحترام الطريق، والحفاظ على النظافة العامة والشخصية، واحترام الكبير، ورعاية ذوي الهمم، واحترام القانون والالتزام به، والحفاظ على الممتلكات العامة والبيئة، وترسيخ قيم العمل والإتقان، وتعليم المساعدة والتطوع والمشاركة في الأعمال الخيرية.

وهنا يجب أن تتحول الرسالة الإعلامية من مجرد الوعظ إلى صناعة الثقافة السلوكية، بحيث يصبح السلوك الإيجابي ممارسة يومية راسخة، وليس مجرد نصيحة عابرة.

الإعلام وبناء الضمير

ينجح الإعلام عندما ينتقل بالإنسان من الرقابة الخارجية التي يمثلها «القانون» إلى الضمير الداخلي والانضباط الذاتي.

ومن هنا، يجب أن يدعم الإعلام القيم من خلال ما يقدمه من برامج وأفلام وحوارات، بصورة مباشرة وغير مباشرة، ومن بينها الأمانة والمسؤولية والإتقان واحترام الآخر واحترام القانون والرحمة والعدالة والعمل والانتماء واحترام العلم ورجال الدين.

فالحضارة لا تقوم فقط على كثرة القوانين، وإنما تحتاج إلى إنسان يمتلك ضميرًا يسبق القانون، ويدفعه إلى الالتزام الصحيح حتى في غياب الرقابة.

الإعلام العلمي المتخصص

نحن بحاجة إلى الانتقال من الإعلام العلمي العشوائي إلى إعلام علمي متخصص، يبني العقل ويصحح المفاهيم، ويقدم المعرفة الموثوقة بصورة مبسطة وقابلة للفهم.

ويمكن أن تكون هناك منصات إعلامية تقدم برامج متخصصة، يقدمها أشخاص يشهد لهم بالكفاءة، بعيدًا عن المجاملات، في مجالات مثل الإعلام الصحي، والطب الشخصي، وعلم الجينوم، والطب التجديدي، والتكنولوجيا الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والطاقة الجديدة، وتغير المناخ، والأمن الغذائي، والصحة الواحدة «One Health»، وعلوم الفضاء، والروبوتات، والابتكار وريادة الأعمال.

لكن الأهم أن تقدم هذه الموضوعات بلغة يستطيع الطفل والشاب والمواطن العادي فهمها واستيعابها، دون إخلال بالدقة العلمية أو تبسيط يفرغ المعلومة من مضمونها.

الإعلام والأسرة والمدرسة.. نموذج متكامل

عندما تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام، تصبح التربية مسؤولية مشتركة، وليست مسؤولية المدرسة وحدها. فالأسرة تضع الأساس، والمدرسة تبني المعرفة والمهارات، والإعلام يسهم في تشكيل البيئة الفكرية والثقافية والاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان ويتفاعل معها.

ومن هنا، فإن التكامل بين هذه المؤسسات يمثل ضرورة لبناء شخصية متوازنة، قادرة على التعلم والتفكير والعمل والمشاركة الإيجابية في المجتمع.

من إعلام رد الفعل إلى إعلام صناعة المستقبل

نحتاج إلى الانتقال من إعلام رد الفعل إلى إعلام ينظر إلى المستقبل، ويضع خطة لها أهداف استراتيجية وتكتيكية وتنفيذية، قابلة للتنفيذ والقياس، بالتوازي مع صناعة البيئة الثقافية التي تتيح بناء الإنسان وإطلاق قدراته.

فالإعلام ليس مجرد «مرآة للمجتمع»، بل هو أيضًا «أداة لصناعة المستقبل»، ووسيلة للتنمية وبناء الحضارة، إذا امتلك رؤية واضحة لدوره في تشكيل الوعي وترسيخ القيم وإعداد الإنسان للمستقبل.

والقاعدة الأهم هي أن الأسرة تربي الطفل وتغرس فيه السلوك الصحيح والقيم، والمدرسة تمنحه العلم والمعرفة، بينما يساهم الإعلام في تشكيل البيئة والعالم الذي سيعيش فيه هذا الطفل.

لذلك، فإن الإعلام جزء أصيل من مشروع بناء الإنسان والتنمية وصناعة الحضارة، وليس عنصرًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه أو التعامل معه باعتباره مجرد وسيلة لنقل الأخبار والترفيه.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز