د. حنان عبد الحميد
فالذاكرة لا تحفظ الأحداث وحدها، وإنما تحفظ الشعور الذي صاحبها. قد تحفظ راحة شعرنا بها في بيت، أو أمانًا وجدناه إلى جوار شخص، أو سعادة عشناها في مكان لم يكن مميزًا في حد ذاته، لكن شيئًا في داخلنا كان مطمئنًا ونحن فيه. ولهذا قد يعود الإنسان إلى شخص بعد سنوات، أو يزور مكانًا غادره منذ زمن، لا لأنه يريد استعادة الماضي بكل تفاصيله، وإنما لأنه يبحث عن ذلك الشعور الذي تركه الماضي داخله.
قد نعود إلى شارع لمجرد أن المشي فيه كان يمنحنا راحة، أو نبحث عن وجه غاب لأن وجوده كان يخفف عنا شيئًا لا نستطيع وصفه، أو نسمع أغنية قديمة فنشعر للحظات بالسعادة نفسها التي كانت تسكننا يوم سمعناها للمرة الأولى. نحن لا نطارد دائمًا الأشخاص والأماكن، أحيانًا نطارد الإحساس الذي تركوه فينا.
ولهذا قد يكون تعلقنا ببعض الأشياء أقوى من علاقتنا بها في الواقع. فنحن لا نتعلق بالمكان كما هو، وإنما بما كنا نشعر به داخله. ولا نشتاق دائمًا إلى الشخص كما أصبح، وإنما إلى النسخة التي كانت منه في ذاكرتنا وإلى النسخة التي كنا عليها نحن عندما كان موجودًا.
والذاكرة قادرة على أن تجعل الماضي أكثر جمالًا مما كان. تمر السنوات فتسقط من المشهد تفاصيل كثيرة، ويبقى منه ما ارتبط في داخلنا بمشاعر قوية. ننسى التعب ونذكر الضحكة، ننسى الخلاف ونذكر لحظة التصالح، ننسى الأسباب التي جعلتنا نرحل ونحتفظ باللحظة التي جعلتنا نتمنى البقاء.
وقد يحدث العكس أيضًا. أحيانًا يكون الألم أقوى من كل ما سبقه، فيعيد كتابة العلاقة كلها. خطأ واحد قد يطغى على سنوات من الخير، وكلمة جارحة قد تصبح في الذاكرة أكبر من مئات الكلمات الطيبة. وحين يشتد الغضب قد نتذكر الإنسان من خلال أسوأ لحظاته فقط، وكأن كل ما كان بيننا لم يكن موجودًا.
لكن الإنسان لا يتذكر الماضي كما حدث، بل كما استطاع أن يحمله.
ولهذا فإن بعض الذكريات لا تكون مؤلمة بسبب ما حدث فيها، وإنما بسبب ما لم يعد ممكنًا. طفل كبر ولن يعود إلى عمره الأول، أم أو أب تغيرت ملامحهما، صديق ابتعد، بيت لم يعد بيتًا، وأشخاص كانوا جزءًا طبيعيًا من يومنا ثم أصبح الوصول إليهم يحتاج إلى ذاكرة أكثر مما يحتاج إلى طريق.
هناك أشياء لا نفقدها في لحظة واحدة. نفقدها بالتدريج. نبدأ بفقدان وجودها، ثم نفقد تفاصيلها، ثم يصبح تذكرها أصعب، حتى نكتشف ذات يوم أننا لا نستطيع استحضار الصوت كما كان، أو ملامح الوجه بدقة، أو تفاصيل المكان الذي كنا نظن أننا لن ننساه أبدًا.
وهنا يصبح النسيان أكثر قسوة من الفقد نفسه.
لأن الفقد يقول لنا إن من نحب لم يعد موجودًا، أما النسيان فيجعلنا نخشى أن يختفي حتى الأثر الذي تركه فينا.
نحن نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا نخاف أن ننسى. نلتقط الصور، نحتفظ بالرسائل، نعيد تسجيل الأصوات، ونحاول أن نثبت اللحظات بكل ما نستطيع، وكأننا نستطيع أن نهزم الزمن إذا احتفظنا بما يكفي من التفاصيل.
لكن الزمن لا يهزم بهذه الطريقة.
فالصور قد تحفظ الملامح، لكنها لا تحفظ دفء اليد. والرسائل قد تحفظ الكلمات، لكنها لا تحفظ الطريقة التي قيلت بها. والمكان قد يبقى كما هو، لكن الشعور الذي كان يسكننا فيه قد لا يعود.
وهذا ما يجعل الذاكرة غريبة إلى هذا الحد. فهي تستطيع أن تعيد إلينا لحظة كاملة في ثانية واحدة، لكنها لا تستطيع أن تعيدنا نحن إلى تلك اللحظة.
قد نقف أمام مكان أحببناه ونكتشف أنه لم يعد يعني لنا الشيء نفسه. وقد نلتقي شخصًا كنا نظن أن رؤيته ستعيد إلينا كل شيء، ثم نكتشف أننا لم نعد نحتاج إليه. وربما ندرك أن ما كنا نبحث عنه لم يكن الشخص ولا المكان، وإنما شعور قديم لم يعد يسكننا بالطريقة نفسها.
ومع ذلك لا يجب أن نحارب الذاكرة.
فهي جزء من قصتنا. فيها ما أحببناه وما خسرناه، فيها أخطاؤنا وانتصاراتنا، فيها أشخاص صنعوا جزءًا من تكويننا حتى لو لم يكملوا الطريق معنا. وليس علينا أن نمحو الماضي حتى نبدأ من جديد، كما أننا لسنا مطالبين بأن نعيش أسرى له.
يكفي أن نتعلم كيف نتذكر دون أن نتوقف.
أن نحتفظ بمن أحببناهم دون أن ننتظر عودتهم، وأن نحترم ما كان جميلًا دون أن نطلب منه أن يتكرر، وأن نفهم أن بعض الأبواب أُغلقت لأن الحياة أرادت لنا أن نكمل الطريق، لا لأن ما كان خلفها لم يكن مهمًا.
لكن الذاكرة لا تمنحنا هذه الحكمة دائمًا.
ففي اللحظة التي نظن فيها أننا فهمناها، تبدأ خيانتها الأخيرة.
يأتي العمر الذي لا نخاف فيه من أن نتذكر أكثر، بل من أن نتذكر أقل. العمر الذي تصبح فيه الذاكرة انتقائية بطريقة مؤلمة، فتحتفظ بتفاصيل لا نعرف لماذا بقيت، وتترك أشياء كانت بالنسبة لنا يومًا كل الحياة.
قد تتذكر طريقًا مشيت فيه مرة، وتنسى وجه من كان يمشي إلى جوارك. قد تتذكر أغنية، ولا تتذكر من كنت تسمعها معه. قد تعرف المكان، ولا تستطيع أن تستعيد لماذا كان يعني لك كل هذا.
وحينها ندرك أن أقسى ما يمكن أن تفعله الذاكرة ليس أن تعيد إلينا الماضي، وإنما أن تأخذ منا القدرة على تذكر من جعلوا الماضي يستحق أن نتذكره.
ستخونك ذاكرتك عندما تنسى كل ما تحب يومًا… وتتذكر كل شيء آخر..