د. حنان عبد الحميد
النفس التي قد ترفع الإنسان حين تدفعه إلى الطموح والصبر والثبات، وهي نفسها التي قد تقوده إلى التردد والاندفاع والخوف والغرور. ولهذا قد يظن الإنسان أنه يحارب العالم، بينما تكون المعركة الحقيقية تجري داخله.
العالم يضع أمامه الاحتمالات، لكن نفسه هي التي تختار الطريق. وقد يمر شخصان بالظرف نفسه، لكن ما يحدث داخل كل نفس قد يصنع نهاية مختلفة تمامًا.
ليس المهم فقط ما يحدث لنا، وإنما ما تفعله نفوسنا بما يحدث لنا.
والنفس لا تتحرك دائمًا وفق ما نعرف أنه صحيح. قد يعرف الإنسان ما ينبغي أن يفعله، ثم يميل عنه، وقد يدرك عاقبة قرار ما، ثم تسمح له رغبته بأن يمضي إليه. وهنا لا تكون المشكلة في غياب المعرفة، وإنما في قوة الهوى أمام قوة الإرادة.
الهوى لا يأتي دائمًا في صورة واضحة. أحيانًا يتخفى خلف مبررات تبدو منطقية، ويجعل الإنسان يرى ما يرغب فيه وكأنه حق له، وما لا يريده وكأنه ظلم وقع عليه. وقد يستطيع الإنسان أن يقنع نفسه بأي شيء إذا كان يريد الوصول إليه بشدة.
وهنا تكمن خطورة النفس حين تتحول إلى محامٍ عن رغباتها.
تبحث عن الأعذار، وتخفف من حجم الخطأ، وتؤجل المواجهة، ثم تمنح صاحبها شعورًا زائفًا بأنه ما زال يملك السيطرة. ومع كل مرة يستجيب فيها الإنسان لهواه، يصبح الطريق أسهل في المرة التالية، حتى تتحول بعض الرغبات إلى عادات، وتتحول العادات إلى سلوك، ويصبح السلوك جزءًا من شخصيته.
ولهذا تبدأ الاستقامة من الداخل قبل أن تظهر في الخارج.
أن يكون للإنسان ميزان يراجع به نفسه، لا ميزان يتغير كلما تغيرت رغباته. أن يستطيع أن يعترف لنفسه بالخطأ قبل أن يطلب من الآخرين أن يفهموه، وأن يراجع دوافعه قبل أن يحكم على غيره.
والنفس لا تحتاج إلى جهادها فقط عندما تواجه الفشل أو الخوف، بل تحتاج إلى جهاد يومي حين تدعو صاحبها إلى ما يعرف أنه خطأ. فهناك معارك لا يراها أحد، يخوضها الإنسان وحده بين رغبة تدفعه إليها وضمير يعرف أن الطريق ليس له. قد تكون المعصية سهلة، وقد يكون الخطأ متاحًا ولا يراه أحد، وهنا يظهر المعنى الحقيقي لمراقبة النفس.
جهاد النفس ليس أن يمنع الإنسان نفسه من كل رغبة، وإنما أن يعرف أي رغبة تستحق أن يتبعها وأي رغبة يجب أن يقف أمامها. أن يستطيع أن يقول «لا» لنفسه عندما تكون قادرة على فعل ما لا يرضي الله، وأن يترك المعصية وهو يعلم أنه يستطيع الوصول إليها.
وليس كل انتصار في الحياة يُقاس بما نحققه أمام الناس. هناك انتصارات لا يصفق لها أحد، تحدث في الخفاء ولا يعرفها إلا الإنسان وربه. لحظة ينتصر فيها على شهوة، أو يغلب غضبه، أو يبتعد عن طريق يعرف أنه سيقوده إلى ما لا يرضي الله.
وهذه المعركة لا تنتهي بانتصار واحد.
الإنسان قد يستقيم فترة، ثم تضعف نفسه، وقد يبتعد عن خطأ، ثم يعود إليه، وقد يخطئ بعد أن ظن أنه أصبح أقوى من ضعفه. لكن السقوط لا يعني أن الطريق انتهى. الخطر الحقيقي أن يقتنع الإنسان بأن ضعفه قدر لا يستطيع تغييره.
أما من يراجع نفسه، ويعود، ويستغفر، ويحاول من جديد، فهو لا يعيش وهم الكمال، وإنما يعيش معنى المجاهدة.
والاستقامة ليست أن تصبح النفس بلا رغبات، وإنما أن تصبح الرغبات تحت قيادة الوعي والإيمان. أن تعرف النفس حدودها، وأن يعرف الإنسان متى يتبع ما يريد ومتى يخالفه، ومتى يكون الامتناع عن الشيء أقوى من الحصول عليه.
وقد يكون أصعب ما في هذه الرحلة أن الإنسان لا يستطيع الهروب من نفسه. يستطيع أن يغير المكان، والأشخاص، والظروف، لكنه يحمل نفسه معه أينما ذهب. فإذا لم يصلح ما بداخله، فقد يجد المشكلة نفسها تنتظره في مكان آخر بصورة مختلفة.
لذلك فإن معرفة النفس ليست رفاهية، بل ضرورة. أن يعرف الإنسان نقاط ضعفه قبل أن تستغلها رغباته، وأن يفهم ما الذي يقوده، وما الذي يجعله يضعف، وما الذي يعيده إلى الطريق حين يبتعد.
وفي كل مرة ينتصر فيها الإنسان على هوى داخله، يزداد شيئًا من حريته. لأن الاستسلام للرغبة لا يعني دائمًا الحرية، كما أن مخالفتها لا تعني الحرمان. أحيانًا تكون الحرية الحقيقية أن تستطيع أن تقول لنفسك: أستطيع أن أفعل هذا، لكنني اخترت ألا أفعله.
هناك، تحديدًا، تبدأ قوة الإرادة.
فالإنسان لا يُقاس فقط بما يستطيع الوصول إليه، وإنما بما يستطيع أن يرفضه حين يكون قادرًا عليه. ولا تظهر استقامته في الأوقات التي يكون فيها الطريق سهلًا، وإنما في اللحظة التي تتعارض فيها رغبته مع ما يؤمن أنه الصواب.
وفي النهاية، ستظل النفس تحمل داخلها صراعًا بين ما تشتهي وما ينبغي، بين طريق قصير تمنحه الرغبة وطريق يحتاج إلى صبر وثبات. ولن تنتهي هذه المواجهة ما دام الإنسان حيًا.
لكن أجمل ما فيها أن الإنسان يستطيع في كل مرة أن يختار من يقود.
فالهوى يريد ما تشتهيه النفس، والاستقامة تريد ما يرضي الله... وبينهما يقف الإنسان، وكل يوم يكتب باختياره أيهما سيكون قائدًا لحياته.