البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
في كل عام، مع إشراقة شهر أكتوبر المجيد، تعيدني الذاكرة إلى واحدة من أعظم الملاحم في تاريخنا الحديث. ومع احتفالنا هذا العام بالذكرى الـ53 لنصر أكتوبر 1973، وجدتُ نفسي وقبل أسابيع من يوم النصر أفكر مليًا: ما الذي يمكن أن أكتبه جديدًا عن تلك الملحمة؟ وكيف أحكي عن كواليس هذا الصراع، والتخطيط العسكري البارع الذي نفذته قواتنا المسلحة، بعد كل ما كُتب ويُكتب كل عام؟ رغم أن تلك البطولات الميدانية التي ترتقي إلى الأسطورة  والتي نفذها أبناء قواتنا المسلحة المصرية الباسلة بكافة فروعها، تستحق أن تُروى مرات ومرات بلا نهاية...

ثم إنه عندما أبلغني سيادة اللواء أركان حرب عادل مصطفى، وكيل أول وزارة الدفاع والإنتاج الحربي الأسبق، وأحد أبرز أبطال حرب الاستنزاف، أنه اختارني لإدارة الندوة التي نظمها "مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية" بالتعاون مع "الصالون البحري المصري" و"مكتبة القاهرة الكبرى" تحت عنوان "كواليس حرب أكتوبر 73"، شعرت بسعادة بالغة وفخر شديد، خاصة وأن تلك الندوة فتحت أمامي زاوية أعمق للحديث عن تلك الملحمة.

بدأت إدارة الندوة التي استمعنا فيها لشهادات عسكرية رفيعة؛ إذ روى لنا اللواء بحري محمود متولي، الأمين العام للصالون البحري المصري، كواليس عمليات القوات البحرية، مستعرضًا عمليات نوعية رفعت الروح المعنوية المصرية منذ عام 1967 وحتى نصر 1973، منها مثلاً المفاجأة التكتيكية بنقل لانشات الصواريخ من الإسكندرية إلى مسرح عمليات البحر الأحمر، رغم إغلاق قناة السويس، في عملية تكتيكية مفاجئة أربكت العدو الصهيوني.

ولم تكن كواليس الخداع الاستراتيجي أقل إبهارًا؛ إذ تناول اللواء أ.ح حمدي لبيب كيف خاضت مصر معركة استخباراتية مذهلة لتضليل استخبارات العدو وإخفاء ساعة الصفر، مما ضمن إنجاز العبور في موعده الدقيق. بينما أخذنا اللواء الدكتور عادل مصطفى إلى أرض الميدان؛ متحدثًا عن الانتقال الجسور من الدفاع إلى الهجوم، واقتحام خط بارليف، والتعامل الذكي مع تعثر كوبري الفرقة السابعة مشاة، وصولاً إلى ملحمة كبريت الخالدة واتفاقية الكيلو 101.

لكن، ووسط كل هذه الشهادات التي تفيض بالفخر والإلهام، كان هناك سؤال ملحّ يتردد في داخلي وهو: وماذا بعد أكتوبر 73؟

إن تذكر الماضي—رغم أهميته في الحفاظ على هويتنا—لا يكفي وحده للعبور من تحديات الحاضر إلى المستقبل. ذلك أن مصر تخوض اليوم معركة حقيقية عنيفة، لا تقل خطورة عن حرب أكتوبر وما سبقتها؛ إنها "معركة البناء والاقتصاد".

فنحن نحتاج اليوم إلى إعلان "التعبئة العامة" لبناء المستقبل، نحتاج إلى أن نحول "روح أكتوبر" من ذكريات مكتوبة إلى طاقة عمل يومية، تستبعد الفاسدين من المشهد، وتستدعي العلماء والخبراء وشباب الوطن الجاد لخوض تلك المعركة واستشراف آفاق المستقبل.

والحقيقة أن جبهتنا الأولى في هذه المعركة هي الشباب، وهي القوة الضاربة والقلب النابض للوطن. وتكفي نظرة فاحصة على المجتمع اليوم، لتُظهر لنا كيف يعيش شبابنا اليوم في عالم افتراضي صاخب، تحكمه خوارزميات صممتها شبكات التواصل الاجتماعي الغربية بعناية، محركة إياها عبر ما يُعرف بـ "اقتصاد الغضب"، لتعمل هذه المنصات على ضخ مشاعر الإحباط، وتضخيم الأزمات، ونشر السلبية، وصناعة حالة استقطاب دائم تسعى إلى تشكيك الشباب في قدرات وطنهم واستنزاف طاقتهم في معارك وهمية.

والحقيقة أيضًا أن تراجع الإعلام القومي عن القيام بدوره في استقطاب وتوعية الشباب وشحذ عزيمتهم، يسهم بشكل كبير في نجاح خطة العدو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تهيمن على الإعلام في المنطقة وربما في معظم أنحاء العالم.

إن حماية عقول هؤلاء الشباب واجتذابهم من عوالم الغضب الافتراضي إلى ميادين العمل الواقعي ليست سوى قضية أمن قومي بامتياز. فالدولة في حاجة إلى أن تصل إلى قلوبهم وعقولهم، عبر التأكيد لهم بأنهم وقود التنمية من خلال إتاحة الفرص لهم بعدالة، وإشراكهم في معركة الإنتاج والتصنيع، ولن يحدث ذلك إلا من خلال ثورة  "تصحيحية" وإعلامية جديدة.

لقد أثبت العقل المصري في كواليس أكتوبر أنه قادر على إنجاز المعجزات متى ما توافرت الإرادة والإدارة الرشيدة. واليوم، ونحن نحيي ذكرى النصر، يجب أن نجعل منها نقطة انطلاق جديدة؛ نعلن فيها التعبئة الشاملة للبناء، ونسترد شبابنا من منصات الغضب إلى ساحات العمل، ونوطن التكنولوجيا الاستراتيجية لنحمي قرارنا الوطني، ليبقى هذا الوطن عزيزًا، كريمًا، ومرفوع القامة بين الأمم.

ولا شك أنه في هذا السياق أيضًا، تبرز معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الوعي؛ وهي تنويع المصادر التقنية والتكنولوجية. تمامًا كما أدركت القيادة المصرية قبيل حرب أكتوبر أن تنويع مصادر السلاح ضرورة لكسر الاحتكار وعدم الارتهان لإرادة طرف واحد، نحتاج اليوم ببالغ الشدة إلى تطبيق الفلسفة ذاتها في مجالات التكنولوجيا والمعدات الصناعية.

لقد ظلت الصناعات الاستراتيجية الدقيقة—وعلى رأسها تقنيات ومعدات قطاع البترول والوقود ومحطات التموين مثلاً—مُحتكرة لعقود طويلة لدى تكتلات وشركات غربية بعينها، مما وضع الدول النامية تحت اشتراطات معقدة. ومن هنا تبرز أهمية الشراكات الاستراتيجية الدولية البديلة، وفي مقدمتها التعاون مع التكنولوجيا الآسيوية والصينية المتقدمة لنقل وتوطين المعرفة في ظل الشراكات الاستراتيجية التي عقدتها الدولة مؤخرًا مع تلك الدول. فالتجارب الوطنية الحالية لتوطين صناعة مضخات الوقود ومعدات محطات التموين بالتعاون مع شركاء دوليين متخصصين، ليست سوى نموذج عملي حي لما يجب أن تكون عليه استراتيجيتنا الصناعية، وهو مثال حي ينبغي تعظيمه.

ولا شك أيضاً في أن نقل وتجميع وتصنيع هذه المعدات التقنية داخل مصر، وتحويلها إلى منتج وطني يحمل شعار "صنع في مصر"، يمثل كسرًا حقيقيًا للهيمنة الاحتكارية في هذا القطاع الحيوي. كما أنه يفتح أمام الدولة أبوابًا واسعة للتصدير ونفاذ المنتجات إلى الأسواق الأفريقية والعربية، لتتحول مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير معدات الوقود، بما يدعم الخزانة العامة ويعزز حصيلة النقد الأجنبي.

من الضروري أن تسعى الدولة المصرية إلى تجاوز العقبات البيروقراطية، وتسهيل إجراءات الاعتماد والتقييم الفني أمام المنتجات المصنعة محليًا، وأن تعمل على توفير بيئة استثمارية شفافة ومستقرة، فتلك هي الأسلحة الحقيقية في جبهتنا الاقتصادية اليوم. تمامًا كما تغلبت قواتنا المسلحة على عقبة الساتر الترابي والقناة بالتخطيط والابتكار الهندسي، فإنه يتوجب على مؤسسات الدولة اليوم إزالة المعوقات الإدارية والفنية أمام المستثمرين والمصنعين الوطنيين بنفس المنطق والمنهج.

وأخيرًا، فإنه من الضروري أن يُدرك الشباب أن نصر أكتوبر 1973 لم يكن مجرد مواجهة عسكرية خاطفة، بل كان منظومة متكاملة من إدارة الأزمات، والاعتماد على البحث والتخطيط، وتنويع التحالفات، والتلاحم الشعبي غير المسبوق خلف هدف واحد. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم؛ أن ندرك أن حربنا الحالية هي حرب وعي، وتصنيع، واستقلال تقني، وهو ما ينبغي أن تعمل عليه وسائل الإعلام القومية اليوم  بلا هوادة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز