البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
إذا كانت الدولة قد استطاعت في تجربة أكتوبر أن تحشد الطاقات وتعد الإنسان لهدف وطني واضح، فكيف نبني في زمن اللا سلم واللا حرب، منظومة مستدامة تُعِدّ الإنسان منذ الطفولة، وتربط الأسرة والمدرسة والإعلام والجامعة ومؤسسات العمل، بحيث يصبح الإنجاز ثقافة مجتمعية مستمرة، لا استجابة مؤقتة لظرف استثنائى.

«إن أحد الدروس العميقة لحرب أكتوبر 1973 هو أن الأهداف الكبرى تحتاج إلى إنسان مُعَدٍّ لها: عقل يخطط، وإرادة تصمد، وقيم توجه السلوك، ومهارات تحوّل المعرفة إلى أداء، ومؤسسات تنظم الجهود وتستثمر الطاقات. وإذا كانت هذه العناصر قد أسهمت في الإعداد لإنجاز وطنى تاريخى، فإن استلهامها فى التنمية يقتضى بناء إنسان يتعلم ويفكر وينتج ويبتكر، ويحترم القانون، بدافع الوعى، ويؤدى واجبه بدافع المسؤولية، ويشارك في بناء وطنه بدافع الانتماء والضمير».

فإن الربط بين حرب أكتوبر ومشروع «بناء الإنسان وصناعة الحضارة» يفتح أمامنا مجالا مهما تساؤلات وتحليل النتائج: كيف نُعِدّ الإنسان لكى ينجح في معركة عسكرية؟ وكيف نستفيد من هذه المبادئ في معارك التنمية والتعليم والإنتاج والبحث العلمى وبناء المجتمع؟

إن النصر نتاج عملية طويلة من التفكير الإستراتيجي، الإعداد والتخطيط والتدريب وبناء الثقة والانضباط، وعقلية قادرة على مواجهة الصعوبات والعمل لتحقيق هدف مشترك.

عندما ترتبط نتائج الحرب كذلك بعوامل عسكرية واستراتيجية وسياسية وظروف ميدانية. لكنها تبرز أهمية الإنسان باعتباره العنصر الذي يحوّل التخطيط والموارد إلى فعل ونتائج.

يمكن تحليل التجربة من خلال أبعاد مترابطة:

1. بناء العقل: التخطيط والتفكير وحل المشكلات

لم يكن الإعداد للمعركة مجرد تجهيز للأسلحة والمعدات، بل شمل دراسة العدو، وتحليل نقاط القوة والضعف، والفرص والتحديات، وتطوير التدريب والخطط فى ظروف صعبة حتى لا نستسلم للعقبات، بل نبحث عن وسائل لتجاوزها.

2. بناء الإرادة: استعادة الثقة والقدرة على الإنجاز

من أهم الدروس الإنسانية للتجربة استعادة الثقة في القدرة على الفعل بعد هزيمة 1967. فالتحدي لم يكن ماديًا فقط، بل كان نفسيا ومعنويا، لتجاوز الإحباط وتحويله إلى دافع للعمل والنجاح.

3. الانضباط وبناء السلوك: تحمل المسؤولية والعمل الجماعى

فالالتزام بالتعليمات، واحترام التخصص، ودقة الأداء، والثقة المتبادلة، كلها سلوكيات تجعل الجماعة أكثر قدرة على تحقيق هدفها.

4. بناء القيم وغرس الانتماء والإيمان بالقضية: الواجب والتضحية والانتماء

حين يدرك الإنسان أن دوره يرتبط بهدف يتجاوز مصلحته الفردية، يصبح أكثر استعدادًا للتعاون وتحمل المشقة. وقد مثّلت قيم الواجب والانتماء والتضحية عاملا مهما لمعنى الوطنية.

5. بناء القدرات والكفاءة وتحويل المعرفة إلى أداء متميز

من خلال التدريب المتكرر والمحاكاة والتقييم والتصحيح.

6. توحيد الهدف وتكامل الأدوار من خلال البناء القوى للمؤسسة 

لا تتحقق النتائج الكبرى بجهود الأفراد فقط، بل بوجود قيادة وتخطيط وتنظيم وتوزيع واضح للمسؤوليات وتنسيق بين التخصصات. فالإنسان المؤهل يحتاج إلى مؤسسة تمكّنه من توظيف قدراته بكفاءة.

فمعارك التنمية تختلف عن المعركة العسكرية؛ فهي ممتدة ومتعددة الأطراف، ولا يكفي فيها توحيد الجهود لفترة قصيرة. إنها تحتاج إلى ثقافة مؤسسية ومجتمعية تستمر عبر الأجيال، وإلى مؤشرات تقيس ما تغير فعلًا في حياة الناس.

والدرس الأهم هنا أن تغيير الإنسان لا يعني مجرد مطالبته بأن يكون أفضل، بل بناء قدراته، وتشكيل سلوكه، وتوفير البيئة التي تسمح له بتحويل قيمه ومعرفته إلى عمل بنتائج ايجابية واضحة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز