جمال رائف
فى البداية رفض كلاهما الإجابة وبعد مراوغات وإلحاح قرر أحدهما أن يخرج ما فى صدره، وأجاب: نعم أيام صدام كانت أفضل من حيث الأمن والوحدة ولكن الاقتصاد كان يتجه نحو الانهيار، أما بعد صدام فظننا أنها أفضل وبالطبع كان التطلع للحرية من الكبت والقمع الذى تسبب فيه صدام يجعل من رحيله فى وقتها مطلبا عاجلا.
فقاطعته وقلت له: نعم سنوات صدام حملت إبادة وقتل وتعذيب ولكنه حافظ على وحدة العراق، أين العراق الآن؟! لا أرى دولة، وماذا عن كردستان العراق والموصل التى استولت عليها داعش؟! بلدكما تقسم وفقا لخريطة الشرق الأوسط الجديد.
فقال (على)، الشاب العراقى الآخر الذى لم يتجاوز العقد الثالث من العمر: بالفعل ما تقوله صحيح فالعراق قد قسمت بالفعل، وداعش الآن تسيطر على الموصل وقد حقق أقليم كردستان الاستقلال الفعلى وسوف ستساهم داعش فى خلق نوع من الفوضى لتفتيت ما تبقى على أساس عرقى وطائفى، وفى الحقيقة رئيس الوزراء نور المالكى يتحمل المسؤولية بالكامل، وقد كانت لديه فرصة حقيقة فى أن يحافظ على وحدة العراق ولكنه حقق جزءً مهما من مخطط أمريكا فى شرق أوسط جديد بنجاح وجدارة.
والتقط طرف الحوار صديقه الآخر فقال: هذا قدر العراق، هذا قدر العراق.. تدخل دائما حروبا خاسرة وصدام حسين أيضا يتحمل جزءً مما نحن فيه لأنه لم يجد سوى القمع سبيلا لتوحيد البلاد ولم يخلق بيئة ديمقراطية حقيقة تستوعب كافة الأطياف وعناصر الوطن، وسيطر حزب البعث على كل مقدرات الوطن؛ فخلق نوعا من الحقد والعنصرية السياسية لدى كافة الطوائف مما ساعد على إشعال الأوضاع وانهيار الدولة مع أول عاصفة، وقد عصفت بالفعل بوحدة العراق ليتفتت إلى دويلات وجماعات حتى يسهل السيطرة عليها بشكل كامل، ولا تظن أن انسحاب الجيش الأميركى من العراق يأتى لأنها أنهت حربها هناك ولكن أمريكا فقط تفسح المجال لحرب جديدة تعتمد فيها على الجماعات الإرهابية التى صنعتها فى المنطقة مثل داعش وأخواتها، فنحن فى العراق الآن نخشى القتل مثلما كنا نخشاه من الجيش الأمريكى، وربما أكثر، لأنه فى بداية الأمر كان يقتل جميع العراقين، أما الآن فأنت تُقتل لأنك سنى أو شيعى أو حتى قبطى؛ فهى حرب طائفية دموية قضت على مستقبل العراق.
وفى وسط هذا الكم الهائل من الكلام المحبط الذى تستقبله أذناى، كانت عيناى تتفقد أرض الفيروز وبحرها ونعمة السلام والوحدة وسلامة الأرض والعرض؛ فعجزت أن أعزيهما فى مصابهما؛ فهما ينظران بحسرة رأيتها فى عينيهما لم نحن فيه من نعم، ويكفى ما سمعته منهما حين قالا: رجاء حافظوا على هذا الوطن؛ فأنتم صمام أمان الأمة العربية والإسلامية، ولا تلحقوا بنا، وكفى ما انهار من دول فى المنطقة، اثبتوا وثابتوا، فأنتم الأمل الأخير.
حقا لو ندرك مانحن فيه من نعم وعلى رأسها الوحدة والسلام لقبلنا أرض الوطن وأيقظنا ضمائرنا وبذلنا العرق والدم من أجل مصر.