البث المباشر الراديو 9090
أسامة سلامة
يتساءل البعض ما الذى يدفع بعض المصريين للذهاب إلى ليبيا رغم الخطر الموجود هناك، ويزيد من الحيرة تصريح السفير بدر عبد العاطى المتحدث باسم وزارة الخارجية "لقد أجلينا 40 ألف مواطن من ليبيا ولكنهم عادوا مرة أخرى "، إذن ما الذى يغرى إنسان للذهاب إلى الموت بقدميه بعد أن نجا منه؟، مؤكدا ليس حبا فى الموت فيكفيه الانتحار وهو فى بلده وبيته، ويقينا ليس حبا فى مغامرة نسبة النجاة فيها محدودة للغاية.

الإجابة فى المثل الشعبى "إيه اللي رماك على المر؟.. اللى أمر منه " وهو ما يعنى أن هناك أمرا خطير ا كان يهدد هؤلاء المواطنين فى بلدهم، ويهون معه السفر إلى ليبيا، حيث احتمالية الخطف والقتل، ولكن هل هناك خطر يفوق الموت؟، الإجابة فى فيلم "إنهم  يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟ "وهو فيلم أمريكى أنتج عام 1969، عن قصة للكاتب "هوراس ماكوى"، والتى نشرها عام 1935، وتدور أحداث الفيلم خلال فترة الركود الاقتصادي فى أمريكا في الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث انتشر الفقر والجوع والبطالة بين معظم المواطنين، ونعمت قلة صغيرة بالثراء والرخاء، ويتفتق ذهن بعض المحتالين عن إقامة ماراثون للرقص يتنافس فيه المتسابقون  داخل دائرة كبيرة ويتخلله سباق للجرى، ومن يستطيع الصمود للنهاية يحصل على جائزة قدرها 1500 دولار، وهو مبلغ ضخم فى ذلك الوقت خاصة فى ظل الأزمة الاقتصادية.

وتبدأ المسابقة، التى تشترط خروج من يسقط  أو يتوقف، ويكمل فيها من يستطيع المقاومة والاستمرار مهما انقطع نفسه، بينما يستمتع الأغنياء بمشاهدة السباق القاتل من المدرجات وهم يتناولون الطعام، ويضحكون على من يسقط إعياءً من المتسابقين، ولأن الجوع لا يترك خيارا للناس فإن المشاركين فى المسابقة القاتلة يتنوعون بين الفلاح، والممثل الذى يبحث عن فرصة دون جدوى، والمثقف المفلس، والنجار، والعامل، بل إن سيدة حامل لم تجد حلا سوى الاشتراك للخروج من أزمتها.

وخلال الماراثون يموت متسابق كان مريضا بالقلب بعد أن حاول إكمال المسابقة تحت إلحاح شريكته فى الرقص، كما سقط آخرون وخرجوا وسط ضحكات المتفرجين، وكانت ذروة المهزلة عندما وضع أصحاب المسابقة شرطا جديدا وهو أن يتزوج كل متسابق من شريكته، وهو ما رفضته بطلة الفيلم معتبرة أن هذا الشرط إهانة لها، ووصل الأمر لذروته عندما اعترف منظمو المسابقة أنه سيتم خصم تكلفة إقامة المسابقة من جائزة الفائز وهو مبلغ ضخم يكاد يصل إلى قيمة الجائزة، فتنسحب البطلة وشريكها، وفى غرفة خارج حلبة المسابقة، تخرج مسدسا من حقيبتها وتطلب من صديقها أن يقتلها، لأنها لا تريد الحياة بعد الآن، وعندما يجادلها تقول له"أنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟"، ويطلق عليها الرصاص بينما يتداعى إلى ذاكرته مشهد جده وهو يقتل الجواد المفضل للعائلة بعد أن أصيب وأصبح غير قادر على المشاركة في سباقات الخيل.

لم تجد البطلة حلا ينقذها من الفقر فوضعت كل آمالها فى المسابقة معتمدة على عزيمتها وإرادتها وإصرارها، ولكنها أدركت أن كل ما يحدث خدعة ماكرة يدفع الفقراء حياتهم ثمنا لها، وعرفت أنه لا مكان للجياد ما لم تؤدى دورها المطلوب منها فى خدمة أسيادها، فكان قرارها بالانتحار.

فهل عرفنا لماذا يقامر بعض المصريين بحياتهم ويسافرون إلى ليبيا؟، الإجابة لأنهم فى مصر يقتلون الجياد.                   

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز