رأفت عبد العال
وقتها كنت أقوم بدور الزوج المثالي بمنتهى الأمانة أو كما رسمته ليّ زوجتي تماما، من البيت للعمل ومن العمل للبيت ولا شئ آخر، بعض الدقائق أسرقها في قهوة هنا وخروجة هناك، وأظل أكفر عنها بقية أيام الأسبوع وكأني طفل يخشى عقاب أمه..
هذه كانت حياتي بعد الزواج مباشرة، ولأن الزواج كان الزلزال القوي الذي قلب حياتي رأسا على عقب فأنا مازلت أذكر كل الأحداث التي مرت بي في بدايته، ومنها أول لقاء جمعني بشخص يعترف أمامي مباشرة ودون خوف أو مداراة بأنه من جماعة الأخوان المسلمين، الجماعة التي يؤكد الجميع أنها بعبع هذا الوطن وأنها خطيئة آدم التي يجب أن يتبرأ منها كل وطني محب لبلاده.
لماذا لم يخاف الرجل وهو يعترف أمامي بهذا السر الخطير؟
ولماذا تفحصته بقلق حين قال لى أنه من أعضاء جماعة الأخوان المسلمين..؟
وهل انفجرت فيه كما يحدث في الأفلام حين يصادف البطل أعداء الوطن..؟
يبدو أنني فعلت ..فقد كنت أبحث فيه عن شئ غريب يدعوني لأن أكرهه وأكره جماعته التي لا أعرف منها أي شخص على الأطلاق ولم أقابل منها أحد غيره، ومن المؤكد أني انفجرت فيه بشكل هستيري لأن صديقي محمود عبده أخبرني حين أنتهينا بأنني ( زودتها حبيتين ) ورغم أن محمود عبده هو الصديق المشترك بيني وبينه إلا أنه كان يضحك ويحاول تهدأتي وربما تحامل عليه مثلي لكن محمود أكثر مني دبلوماسية وحكمة ويعرف كيف يوجه سهام نقده دون تجريح، والغريب أن الرجل لم يتضايق بل بالعكس كان يضحك ويتحدث معنا بلباقة وفهم شديدين..وكثيرا هي حماقاتي التي أندم عليها بعد ذلك..!!
كان الجو ربيعي إلى حد كبير رغم أننا في منتصف الصيف، وكانت الندوة التي نحضرها رائعة من كل الوجوه وبعد أن انتهينا في حدود التاسعة مساءً عرض عليّ صديقي محمود عبده الذهاب معه لمقابلة أحد الزملاء في وسط البلد ورغم أني أعيش في القاهرة منذ أكثر من عشر سنوات إلا أنني لا أستطيع أن أدعي معرفتي الكاملة بها خاصة هذه المنطقة المسماه منطقة وسط البلد، المنطقة ذات الجو الساحر والتي ألهمت الكثير من الكتاب والشعراء أكثر إبداعاتهم ولازالت. هذه المنطقة كنت وأنا الذي أعيش بالقرب منها في حي السيدة زينب لا أعرف عنها إلا ما تقدمه لي الكتب وما تعرضه شاشات التلفزيون..
ولأن محمود عبده ( كاتب وباحث أدبي ) أكثر مني معرفته بهذه الأجواء، فقد كنت أحسده على هذا الأمر كثيرا فهو يتحرك بين الشوارع والحواري والمقاهي وكأنه لا يفارقها أبدا والغريب أنه مثلي ليس من أبناء القاهرة وربما يكون استقراره بها جاء بعد مني بسنوات، ولكنه يتحرك بداخلها بحرية كبيرة ويعرف الكثير من الناس وعلى كافة المستويات.
قال محمود وهو يبتسم : الأستاذ طارق رئيس تحرير جريدة بر مصر وعضو في جماعة الأخوان المسلمين.
هززت رأسي ولم أنطق..
محمود: الأستاذ رأفت كاتب وزميل و...و..
طارق : أهلا وسهلا..
ثم أردف سريعا..أسمعوا المكان هنا لا يناسب هذا الجو المشحون بالثقافة دعونا نغير القهوة...
محمود : لا مانع....؟
وخرجنا ولكن هل وافقتهم ..؟
لا أعرف ..فلماذا أشعر الآن بأنني تأخرت في الحركة وبعدم الرغبة في البقاء معهما.. طيب أين كنا ..؟ وكيف خرجنا..؟ وأين ذهبنا ..؟
لا أعرف..!!
كان أول شئ لاحظته قبل أن نتجادل ويحفر هذا الجدال في قلبي علامات مازالت بقاياها محفورة في قلبي حتى الآن..هو أن الرجل تقريبا بلا ذقن، ويرتدي بنطلون جينز وتي شيرت يلتصقان بجسمه وكأنهما يطلبان الرحمة من ضيقهما الشديد..ونظارة أغلب الأمر هو يرتديها للديكور، ويجلس على القهوة مثل بقية الناس ويلقي النكات التي رغم أدبها الشديد إلا أنها أثارت فينا عاصفة من الضحك المتواصل، وكان له وجه وأسنان وعينان وأصابع، ولم يكن مثل دراكولا، ولم أشعر أنه يخبئ سكاكين أو مدافع أو أنه ربما يقتلني لو خالفته في الرأي، وحين اطمئنت جوارحي بأن أعضاء الأخوان ليسوا مصاصي دماء كما رسمتهم في خيالي أو كما تم رسمهم في خيالنا جميعا..وأنهم يمكن هزيمتهم بالحجة والرأي تشجعت وركزت وبدأت هجومي الشديد عليه..
ولازلت أذكر بداية الحديث.. وقتها قلت له تقولون أن الأسلام هو الحل وفي الحقيقة الأسلام هو الحل وأنتم المشكلة....
البقية في المقال التالي..