حسن عبد الموجود
تلك مدينة مؤذية، لا يهتم فيها معظم الناس بنظافتهم الشخصية. يلقون نفاياتهم فى الشارع. كتب الروائى اللبنانى ربيع جابر مرة عن أكوام القمامة التى شاهدها فى شوارع القاهرة فرجمته عشرات المقالات كأننا ندافع عن شىء آخر لا نحياه ولا نراه. ليس للأمر علاقة بالغنى أو الفقر، له علاقة بحالة الكراهية التى تسيطر علينا، كراهية الحياة، وكراهية العمل. اذهب إلى العمل كأنك تذهب إلى الجحيم. لو ساقوك إلى هناك فليس مهماً أن ترتدى أفضل ما عندك. ستذهب لمواجهة غول الوقت، وستتفنن فى إضاعته، فما الداعى للنظافة. أنت فى معركة ولا بد أن تكسبها.
المترو هو بوابة الجحيم. هناك يلتقى معظم سكان المدينة البائسة، ليمارسوا طقس إيذاء بعضهم البعض. فكرت مرة بينما أقف فى إحدى المحطات، لماذا لا يمكن أن تكون هناك مكتبة؟ هل هذا شىء صعب؟ هل يحتاج إلى كثير من العمل؟ أليس ممكناً أن تضم كل المحطات مكتبات صغيرة؟ هناك ملايين يعبرون بتلك المحطات يومياً، وبالتأكيد سيرون الكتب المعروضة فى جميع المجالات. يمكننا تذكيرهم بأدبائنا الكبار، يمكننا تعريفهم بأدبائنا الجدد. بأساتذتنا فى الجامعة، وحتى بأساتذة التنمية البشرية.
بعد فترة طرح أحد مسؤولى وزارة الثقافة الفكرة، ولكنها ماتت كما تموت أفكار كثيرة. كان يمكننا تعويد الناس على مطالعة الكتب. لا بد أن أحداً ما سيتوقف ليقلب العناوين. لا بد أن العدد سيزيد. من يطالع الكتب لا يمكن أن يتحول إلى شخص مؤذ. القارئ ليس شريراً، ولا كريهاً. القارئ يكره القبح حتى لو كان يقرأ عن القبح. القارئ لن يكون متطرفاً، ولكننا لا نصنع القارئ، وإنما نتفنن فى صنع أشخاص ممسوسين بالماضى، ومهمومين بالآخرة على حساب الدنيا.
ماتت فكرة الكتب، ثم ظهرت بعدها فكرة "كشك الفتوى". هنا سيتوقف الناس أمام الشيوخ. هنا سننقل المساجد إليهم. مشهد جديد يُضاف إلى مشاهد "الزوايا" الصغيرة التى تم إقحامها على المحطات للصلاة. هنا يتم ترسيخ مبدأ الآخرة على الحياة مهما كانت وجاهة الفكرة ومهما كانت استنارة الشيوخ. هل هذا هو ما كان ينقصنا؟ هل انتهينا من كل شىء لنأتى بالشيوخ من مساجدهم إلى محطات المترو؟
أصبحنا محاصرين بالفتاوى فى الوقت الذى تخوض فيه الدولة حرباً ضد الإرهاب. أصبحنا محاصرين بالماضى فى الوقت الذى تخوض فيه الدولة حرب بقاء من أجل حاضرها ومستقبلها؟ (ها أنا أكرر الكلام الإنشائى).. نحن نحتاج إلى الالتفات إلى الثقافة كما نهتم بالدين. نحن نحتاج إلى الاهتمام بالدنيا كما نهتم بالآخرة. نحن نحتاج إلى مواجهة التطرف، وتلك معركة لن يتصدى لها الشيوخ المستنيرون بمفردهم.. ولكنها تحتاج أيضاً إلى المثقفين وأفكارهم.