البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
ضجيج السوق يخفت، أزعجها مواء القطط التى تحاصر فرشتها الممتلئة بأقفاص الخضار، تحاول أن تفض الاشتباك بينه وبين كلبها "مصباح" الذى أنقذته من الموت وكان جروًا صغيرًا رضيعًا.

عندما وجدته مدفونًا بين أكوام من فضلات السوق العطنة، كان يجلس بجوارها ينبح ويهز ذيله فى عصبية ويزمجر إذا اقترب أحد من فرشتها.

بطريقة روتينية كما تفعل فى نهاية كل يوم، غطت الأقفاص بغطاء من البلاستيك السميك، وربطتها بحبل، مشت بمحاذاة السكة الحديد، ثم قطعتها إلى أرض فضاء متربة، ثم اجتازت طريقًا معتمًا محفوفًا بأشجار النخيل العجوز، كانت تتلفت من حين لأخر وراءها، لتتأكد أنه لا أحد يتتبعها، تحسست صدرها فاطمأنت أن كيس النقود يرقد بأمان بين شقى نهديها، مرت على ساحة واسعة تحتوى على عدة مقاهٍ، تتراص أمامها صفوف من المناضد والكراسى التى يجلس عليها رجال متنمرون، تشعر بالاضطراب عندما تمر أمامهم، فتشد طرحتها لتُخفى بعضًا من خجلها وارتباكها.

أخذ قلبها يدق بسرعة عندما اقتربت من المبنى الذى تسكنه. مبنى متهالك، ينزّ منه الفقر والبؤس. أضواء خافتة تتسلل من نوافذ البيوت المجاورة، صعدت إلى السطح حيث حجرتها، وجدته يجلس فى مكانه المعتاد، نظر إليها بعينيه التى تشبه عينى فأر وهو يلف سيجارة، وقال ساخرًا بصوت محشرج:

حمد الله على السلامة.. شرفتى؟!

شعرت بالاشمئزاز، ونظرت نظرة غاضبة إليه، ثم أخذت تحدّق فى المصباح المعلق على الحائط، قطب جبينه فى ضيق ثم تابع لف السيجارة، جلست على حافة السرير، شدّت الباطنية ووضعتها على كتفها، فالحجرة تنشع جدرانها بالرطوبة، والبرد يخترق عظامها، الوقت يمر ببطء.

راحت تتأمل أحوالها، وتستعيد حياتها وتُجرى حوارًا مع نفسها: "أجلس منسية، لا أحد يفكر فىّ، لا ينتظرنى أحد يربت على تعبى ووجعى، لا حياة ولا موت، جفاف يحيط بالهواء الذى أتنفسه، كل الأبواب مغلقة فى وجهى، لا قريبًا أو صديقًا بعدما نفر الناس من أفعاله، شقى وتعب فى السوق، وفى البيت أجلس أنا ولا أحد، كل ما يريده النقود ليصرف على "الكيف"، لا يهم كيف أحصل عليها، ماذا سأفعل والعمر ينزوى كورق الشجر فى الخريف".

فى كل شتاء يمسها شغف، رغبة فى أن ترتمى فى حضن يغمرها بالحب والعطف، تقلب أحوال قلبها، تحس بوخز دبابيس تخمش روحها، تحن إلى أمسها، الصور تتداعى فى مخيلتها، تشاهد أمها وهى تعد طعام العشاء فى الأيام الباردة وهى وأخواتها يحومون حولها، تتركهم وتهرول تفتح لأبيها يغشى أنفها رائحة الخبز الطازج التى تفوح من اللفافة فى يدهز

وعندما يلقى السلام على أمها تلمع عيناها بوميض ساحر. رائحة الطعام تفتح شهيتها، يستعجلون طلب الطعام، يتخاطفون الصحون ويصلصلون بالملاعق ويمضى بهم الوقت فى التهام الطعام والمشحنات الصغيرة المحببة بين الصغار، بعد العشاء نحتسى شايًا ممزوجًا بالحليب..... كم تحن إلى هذه الأيام، حضن أمها وعطف أبيها.

لم تنعم فى زواجها إلا عدة أشهر، فُصل زوجها من عمله، وبدأت رحلة شقائها كخادمة تتنقل من منزل لأخر، بائعة فى محل، ثم بائعة خضار.
يقطع تأملها صوته البغيض:
فين الفلوس؟

وكمن يطل على نفسه من علىٍّ.. أصغت إلى صوت يناديها من بعيد، نهضت من مكانها، ولم تلتفت إليه، ركضت، طوت الأرض، تلقفها الشارع، المطر يهطل بغزارة، تفتح يديها، تسير ببطء كأنما تسير على الغمام، ترقص كالفراشة فى الفضاء المبلل بالماء، تترك جسدها للمطر ووهج الليل فرحة بشىء ما خَفِى!

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز