البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
منذ سنين طويلة قدم من قرية بعيدة يجرجر فى يده فتاة صغيرة. غائر العينين. مكفهر المحيا. واجمًا حزينًا. يشتعل وجهه بالغضب. به عرج خفيف. لم يجالس أو يتبادل الأحاديث مع أحد.

بنى عشة على أطراف القرية فى مكان مهجور لا يطرقه أحد. يخرج عند شروق الشمس، ويرجع عند مغربها.

نُسجت حوله الحكايات والأساطير. ترك العنان لمخيلة أهل القرية ليضعوا إطارًا لحياة هذا الغريب الذى اقتحم قريتهم وحياتهم دون سابق إنذار، فمرة هو مجرم خطير قتل من أجل السرقة، ومرة طرد من قريته، لأنه فعل فعلاً مشينا، ويريد أن يختبئ فى مكان لا يمكن لأحد الوصول إليه، وآخرون يقولون إنه مطارد، لأن عليه ثأر قديم كان من المفترض أن يقتصوا من أبيه بدلًا منه لكنه رحل قبل أن يتمكنوا من ذلك.

قرروا أن يطلقوا عليه اسم "الغريب".. حاول أهل القرية أن يكسروا هذا الغموض بالتحدث مع الفتاة التى كانت تبحلق فيهم ولا تنبس ببنت شفة تشفى بها غليلهم.

ذات مرة تناول أشقياء القرية الشبان حجرًا وقذفوها به ليجبروها على الكلام، أخذت تتلوى وتخبط ذراعيها وقدميها، وتخرج صرخات متقطعة، فهموا منها أنها خرساء.

ترتدى دائمًا ثوبًا خشنًا كالح اللون يغطى جسمها، وتحته سروال يغطى رجليها حتى كاحليها. قدماها حافيتان. عيونها قلقة دائمًا. تشهر فى يدها عصا، وتنظر فى كل مكان. متحفزة أن يداهمها بشكل مباغت فى أى لحظة شخص ما. أحيانًا كثيرة يشاهدها أهل القرية تركض وسط الحقول بلا هدى كأن أشباحًا تطاردها، ويزداد ركضها عندما تسمع أصوات أهالى القرية تلاحقها.

فى الليالى المظلمة التى يغيب عنها القمر تضع الحطب فى قصعة أمام باب العشة وتحوم حولها وتتقافز فى حركات بهلوانية. بعد فترة كانوا يشاهدون الغريب يخرج من داخل العشة يشدها من شعرها، ويلقى بها على الأرض، وتظل تصرخ بنحيب يقطع سكون الليل ويحرق القلوب الباردة، وبعدما تهدأ يدلفان معًا إلى العشة. يسود بعدها صمت مبلل بالغموض.

يقول أهل القرية إنها ابنته وأحيانًا يؤكدون أنها أخته..... لا أحد يعرف سرهما.
مضت عدة ليالٍ لم يشاهد أهالى القرية "الغريب". ثمة شعور خفى ينام فى أعماقهم بأن شيئًا ما حدث وأن "الغريب" متورط فيه. كانوا يتلصصون على العشة بعيون يتخللها حذر طافح، ولم تكن هناك إلا "الخرساء" تحاول أن توارى جسدها عن العيون المتطفلة. تدور فى جنبات العشة، وتحمل سكينًا صدئة فى يدها، وتخبئها وراء ظهرها احتسابًا لأى معركة قادمة أو غدر من مجهول غاب عنه رجاحة عقله.

تلبدت السماء بالغيوم، وتكاثف هطول الليل، وبعث الرعد برقًا لامعًا.. تلفحت القرية بالهواء البارد، واقتلعت العاصفة الأشجار والعشش. أُطفئت الأنوار من المصابيح الخابية المعلقة على البيوت المنكبة على أوجاع أصحابها. رمت السماء بشررها واندفع الماء سيلًا هادرًا يقلع الصخور ويُغرق البيوت والأجساد والحقول. كان سيلا قاسيًا، ويحمل فى طياته العذاب، والأنين وتنتشر رائحة الموت بين زبده الأسود.

خلت منحدرات القرية من أى نأمة، وكان الصمت يجثم على الأمكنة ويتنفس مطلقًا فزعه وخوفه فى القلوب الراجفة.

فى مدخل القرية، ثمَّة شبح يركض صارخًا. يجهش باكيا: "فلتأخذنى أيها الموت فى أحضانك الآن. لقد وفيت وعدى الكبير وسأوفى وعدى الصغير عما قريب".
اتجه إلى العشة. لم يجدها فى مكانها فقد اقتلعتها العاصفة، وجرفها السيل. أخذ يصرخ كالمجنون يبحث عن الخرساء فى كل مكان. السيل يلاحقه ويلقى به بين الأشجار، والصخور اللينة. سمع أنينها من بين الحطام. ركض كالمجنون إليها وفك أسرها. سبح بها عبر شلالات السيل إلى أن وصل إلى أرض مرتفعة، قال وهو يهذى: "لا تموتى الآن. لكل أجل كتاب".

مع صياح الديكة. فاح خبر جثة امرأة غريبة طافية فى مياه بركة حفرها السيل. خرج رجال القرية يجرجرون أقدامهم وفضولهم حاملين الفوانيس والمشاعل لتنير لهم الطريق الضيق الذى سيسلكونه ليتحققوا من أمر الجسد الغارق.

أخذت تدفع بجسدها الجموع المحتشدة شاقة طريقها صوب حافة البركة. نزلت فيها كأنها مخدرة تزفر بحرقة أنفاسًا تنز مرارة غصتها الراكدة بداخلها تحاصرها. لسانها يتخبط بين فكيها. جسدها يرتعش. أنينها المكتوم يتناهى إلى مسامع أهل القرية، ويهز أديم الأرض.

غرست عينيها فى وجه المرأة "الغريقة" أخذت شفتاها تتحرك فى جميع الاتجاهات كأنها تريد أن تتكلم. عوت كذئب مطعون. تراجعت للخلف ثم صدر منها أصوات يبدوا أنها حروف : أ ... أ ..... م .... م .... ى ، أ.. مى. غطت وجهها براحتها. شهق الرجال. أصابهم الذعر. ماجت أجساد النسوة وهن يحاولن شق الجموع. وعندما وصلن إلى حيث يطفو الجسد الغارق فغرن أفواهن دهشة وغضب. أخذن يرددن: "الخرساء" .... نطقت .... " الخرساء " .... نطقت.

اندفعت الخرساء من البركة تتخبط بين الأوحال وبقايا حطام الأشياء، على بعد منها لمح الرجال شبح يمرق مسرعًا من خلف الأشجار. دوى صوت الرعد حادًا. سمع صوت إطلاق 3 أعيرة مدوية اخترقت جسد الخرساء وأردتها جثة هامدة على الأرض. جرفها السيل وأخذها بعيدًا.

أمسكه الرجال بعد أن أصابت قلبه رصاصة أرخت جسده. جعلت جروحه تنز ببطء و قسوة.

تعالت صيحات النسوة. شكَّل الرجال حلقة نار حول الغريب. دفنوه فى نفس المكان. أصبح من أولياء الله الصالحين. أقاموا له مزارًا ومولدًا سمى باسمه "مولد سيدى الغريب".

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز