عزة كامل
بدا عليه أنه غير عابئ بالجلبة التى يثيرها بعض الفتيان الذين يلتهمون السندوتشات التى تفوح منها رائحة التوابل و يلعبون النرد.
كانت رأسه تؤلمه من أثر الضربة التى تسبب فيها ارتطامه بزجاج النافذة الشفاف الذى لم يره وهو يحاول أن يطل برأسه على الأفق الممتد وراء النهر.
اتجه إلى الشرفة المؤدى درجها إلى شاطئ النهر، جلس على الدرج الأخير حيث كان بمقدور كفيه أن يلامسا المياه .
أخذ يتأمل المنظر الذى يقع أمامه تأملا عميقا.
من بعيد كانت هناك جزيرة يحيط بها أشجار الحور الباسقة الطويلة والصخور ذات الأحجام المختلفة من كل جانب ونسوة متفرقات منهمكات فى غسيل الملابس بضربها على الصخور التى ترتطم بها الأمواج فتعمل على تنظيف الأوساخ، بعد الانتهاء ينثرن الملابس على شجيرات قريبة لتجف، كانت ذيول فساتينهن محسورة بين أعالى أفخاذهن التى يسيل عليها الماء.
فجأة من الجزء غير المرئى من الجزيرة، ظهر قارب كأنه قفز من تحت أمواج النهر الهادئ، و شبحان أحدهما يجلس فى وسط القارب يجدف والأخر واقف على مقدمة القارب ممسكا عصا بكلتا يديه يضرب بها الماء ضربات ذات إيقاع منتظم.
أصابه الفضول ورغبة ملحة قوية فى أن يرى ملامح هذين الشبحين، تمنى أن يتحول مجرى الريح لتجعل القارب يمر بالقرب منه.
حالفه الحظ ، جاءت ريح هادئة دفعت القارب بطول شاطئ النهر، قذف القدر بالقارب على الشاطئ الذى يواجهه.
كان الشبح الجالس، صياداً عجوزاً تملأ التجاعيد وجهه، يرتدى جلباباً، مفتوح الصدر تظهر منه عظام رئتيه الضامرة التى كانت تزفر أنفاسا متقطعة، ينحنى بظهره وكتفيه ممسكاً بيده بمجدافين، على مقدمة القارب تقف فتاة منتصبة القامة بعنق طويل جميل، ووجه لفحته الشمس، تتدفق حيوية ونشاطا تتسربل فى ثوب ضيق أزرق ينسدل إلى ما تحت فخذيها، ترتدى تحته سروالا أسود يمتد إلى ربلتى ساقيها، تضرب بعصاها مياه النهر لتوقظ السمك النائم، تحت رجليها شبكة ذات خيوط رمادية لامعة تنتهى بأجزاء مستديرة من الفلين.
كان القارب بلون زرقة السماء، لمح على متنه عدة شاى، أنبوبة غاز بها عين حديد تستخدم كموقد، وعدد من الصحون الصاج.
بدت الفتاة متمرسة على هذا العمل، شبت عليه و احترفته، كانت تقف وهى تدق المياه بعصاها بثقة شديدة وكأنها راقصة يداعب رقصها الماء والسمك المختبئ فى أعماق النهر.
سرت فى أوصاله نشوة لذيذة، رسمت ضربات المجداف فى الماء دقاتها على قلبه كأمواج بالغة الرحمة و الدفء.
ابتسم لها.. لكنها لم تكن منتبهة له، فقد كانت منشغلة بالبحث عن رزقها فى أعماق النهر.
عندما هدأت الريح، حرك العجوز المجدافين واتجه بالقارب إلى وسط النهر محركا إياه صوب الجزيرة.. عندما اختفيا وراء الضباب الذى انتشر كمقدمة لهبوط جحافل الغسق من السماء، هب نسيم بارد من النهر فأنعشه ، رجع أدراجه إلى المقهى الذى أوشك على غلق أبوابه .
فى عصر اليوم التالى، جلس فى نفس المكان، متخبطا فى حيرته عقلا و قلبا، منتظرا ظهور القارب.. شعر أن الوقت يمر بطيئا.. كانت رائحة أوراق الأشجار المتعطنة و نباتات ورد النيل تملأ المكان.
لاح له القارب قادما من بعيد، تدفق فى روحه فيض من الوهج.. بدت له وهى تقف على القارب كالنخلة الآبية التى تلمس المحال و تمتد خارج الزمان.
تداعب نسمات الريح الخفيفة خصلات شعرها المنسدلة على خدودها وجبينها، أحس أنه يتحد مع النهر عبر همسها الدافئ، الذى ينشره بضرباتها المتتالية على صفحة الماء الرقراقة، التى تحمل ومضات الشفق الغارب.
فى هذه المرة لمح ابتسامة خفيفة انفرج عنها ثغرها، كانت عيناها تتألقان ببريق سحرى كبريق أشعة الشمس الفضية المنعكسة على سطح النهر.
نهض من مكانه حاول أن يتكلم معها ، لكنها مضت مهرولة وهى تضرب بالماء بقوة عصاها، فى هذه اللحظة تمنى أن يكون هو القارب الذى تقف على مقدمته ليحوى جسدها و يطوف بها شواطئ وسواحل ممتدة، تمنى أن يكون الشباك التى تنشرها فى المياه حتى يتحسس أناملها.
استمر على هذا الحال أسابيع وشهور وهو يتوق أن يتحدث معها.. يتخيل أنه معها فى قاع النهر يحتضن وهجها و موجها الطافح على شفتيها، يعدو فى تفاصيل مسافاتها كما يعدو النهر إليها.
كانت أمواج النهر تحتضن القارب بحنان، تداعب مجدافيه برفق.. اللذين كانا مسترخيين بين يديها، لم يكن العجوز فى القارب عندما اقتربت منه، مدت له يدها وقذف بنفسه داخل القارب، شعر أن دقات قلبه تساير دقات مجدافيها.. خلف الجزيرة، تهادى القارب، نزلا منه، سار وراءها.. قادته إلى عشة من البوص وسط أحراش مهجورة.. خلعت ملابسها ولم تمهله وقت ليكمل خلع ملابسه.
أخذت تتحسس كل جزء فيه وتقبله، ضمها إلى صدره، شعر أن مياه النهر تحولت لخمر وانسكبت داخله، التهم جسدها الناعم القوى، كانت مهرة جامحة، وكان هو فارس مغوار.
انتابه الذعر من برودة دوامات الماء وهى تبتلع جسده ، أخذ يصرخ.. يستغيث، لقد كان يغرق...قبل أن يغيب عن الوعى شعر بيد تشده.. ارتمى على الأرض مبهور الأنفاس، غير قادر على الحركة .
تدفقت مياه النهر من فمه و فتحتى أنفه.. تجمع حوله رواد المقهى .. عندما آفاق وجدها واقفة على رأسه تبحلق فيه ابتسمت له ابتسامة حنونة قال :
- حمد الله على السلامة.. حصل خير.
اتجهت إلى القارب.. قال له الجرسون:
- يا أستاذ هل كنت تود الانتحار.. لا يوجد إنسان يلقى نفسه فى النهر وهو لا يجيد السباحة، الحمد لله أن الرجل العجوز وزوجته أنقذاك فى آخر لحظة.
رنت فى أذنه الكلمة.. زوجته.. كنت اعتقد أنه أبوها... نظرا إلى النهر الداجى الذى رمى بظلامه فى أعماق نفسه التى كانت تتوق لشىء حميم و دافئ تلمسه، ارتعد من البرد ومشى و قطرات الماء الثقيلة تتساقط من ملابسه.
ألقى نظرة من فوق كتفه.. رأى القارب يتمايل على ضوء فانوس خافت، ينعطف خلف الجزيرة.
مشى كطيف مبتل متوار فى الليل لا يستطيع أن يحدد طريقه الذى بدا له ملتفا و متعقداً .