البث المباشر الراديو 9090
عزة كامل
فى الثانية بعد منتصف الليل تقلّب الزوج فى فراشه عدة مرات، مد يده ليتحسس زوجته الراقدة بجواره، لم يجدها.

كانت الزوجة ذات الثامنة والأربعين عامًا واقفة على حافة السرير تتحسس زوجها النائم فى الظلام، يساعدها فى ذلك ضوء القمر الذى يخترق نافذة الحجرة.

أصابه الذعر، فقد كانت عيناها تنضحان بالغضب والكراهية، اعتدل فى جلسته وهو يستجمع قواه، قال بصوت مرتعش:

- لماذا تقفين هكذا؟

- لا شىء يبدو أنك تحلم، استيقظت لأحضر كأس ماء.

لقد ظن أن زوجته قد تخلت عن هذه العادة الرذيلة منذ سنوات، عادة لمس الجسد لتتعرف من خلاله على أحوال صاحبه.

كان لديها يقين بأن أسرار البشر تنضح على جلودهم، وأن الحياة الخاصة دائما تأتى بمفاجآت، كانت تتمتع بتلك الحاسة منذ كانت طفلة، وقد اكتشف ذلك عندما كانا فى أوج نشوتهما خلال ممارسة الحب لأول مرة، فقد توقفت فجأة ودفعته عنها وطلبت منه أن يفرد جسده، فظن أنها تريد أن تعلمه شيئا من فنون الحب لم يكن يعلمه، فوجئ بها تتحسس بكفيها كل جزء من جسده وتضغط عليه.

أدرك أن ثمة شيئًا غريبًا.. قالت له:

- يجب أن تذهب غدا إلى الطبيب.

فى مساء اليوم التالى، شعر بألم يعصر معدته، ذهب للطبيب الذى شخص الألم على أنه قرحة فى المعدة.

كانت تتحسس كل إنسان تربطه بها صداقة أو قرابة أو جيرة، امرأة، رجلا، طفلا، وقد تسببت أفعال زوجته فى إحراجه أمام الجميع.

فى إحدى الليالى، خلال الاحتفال بخطبة ابنة عمه ذهبت إلى خطيبته، تحسستها وقالت لها:

- جسدك مضمغ بسائل رجل آخر، اغتسلى قبل أن يشم خطيبك رائحته.

سمعها الخطيب، فسخ الخطبة وكانت فضيحة لا يمكن وصفها.

مرة أخرى، ما إن استدارت بطن زوجة أخيها، رفعت عنها تنورتها وأخذت تتحسسها، امتقع وجهها ولم تنبس ببنت شفة، بدأت الهواجس تنتاب الجميع.

فى اليوم التالى أجهضت الزوجة، جاءها أخوها وقال لها بتهديد ووعيد:

- سأكسر قدمك إذا تخطيت عتبة بيتنا.

ذهبت إلى زوجها، أحاطت خاصرته بيدها وارتمت فى صدره وقالت له:

- هذه لعنة، ابتليت بها، لا أعرف كيف أتخلص منها، لقد جعلت الطمأنينة تفر من جسدى وتوشك أن تدمى حياتى.

من يومها وهى تلتزم بيتها، ربطت أنامل يديها بعصبة سوداء خشنة حتى لا تتحسس أو تلمس أحدًا.

حاولت مرة أن تفك قيودها خلال نومها معه، لكنه نهرها فأحست بإهانة شديدة وامتنعت عنه شهورًا، أصبحت الحياة بالنسبة له غموضًا دائمًا، فثمة أسئلة كثيرة عن حاسة اللمس عند زوجته ظلت بلا أجوبة، فأفعالها تأتى دائمًا متسمة بغرابتها، لكنه كان يوقن بأنها ترى الحقائق التى لا تنكشف للآخرين، إلا فى أوقات خاصة، مع سكرات الموت.

فى بداية الأمر، تصور أن الزوجة لديها حدس يجعلها ترى ما وراء الأشياء، لديها شفافية ليس لدى الآخرين، لكن عندما أصبح هذا الحدس يأتى بأشياء غير سارة تثير الحزن والفضائح، أصبحت شفافيتها هذه ملعونة، واستسلمت فى النهاية لمصيرها المحتوم كحاملة شر، أما بالنسبة لزوجها فقد وجد نفسه يعانى آثار هذه اللعنة التى تلبست زوجته، فقد تسربل فى الظلام واكتهل فى صمته، وأصبحت ذكريات الماضى الجميلة خيالات غائمة فى الذاكرة.

وقد زاد من حظه العاثر، الابنة التى حملت بها زوجته والتى كانت تصدر أصواتًا وهى فى رحم أمها، فقد استيقظ فى إحدى الليالى على صريخ يشبه صريخ طفل، فلم يجد إلا زوجته راقدة بجانبه تتحسس بطنها، التفتت إليه وقالت:

- إنها الطفلة...

ظن إنها تهذى وأكمل نومه.

ولدت الطفلة فى يوم خريفى، فى عامها الخامس، كانت تقول لأمها إنها تسمع صوت المطر قادما فيسقط المطر بعد دقائق.. إنها تسمع صوت أشياء تحرق فى النار، فيشب الحريق فى البيت المجاور بعد ساعة.

لقد أدرك أن لعنة جديدة أصابت ابنته، إنها حاسة السمع التى تجعلها تسمع أصوات الأشياء قبل حدوثها، تسمع فقط أصوات الكوارث، قرر أن يحبس الطفلة فى المنزل لا خروج و لا دخول.

ذات صباح أيقظت الطفلة أمها من النوم وقالت لها:

- إنى أسمع صوت نباح كلب.

طمأنتها أمها وقالت لها:

- نحن في مأمن، لن يستطيع الكلب دخول بيتنا فالنوافذ والأبواب مغلقة.

فى مساء اليوم نفسه، عندما خرج الأب، لم يحكم إغلاق باب البيت، لقد كان فى عجالة من أمره، بعد مرور عشر دقائق من خروج الأب، سمعت الأم صرخات ابنتها، رأتها منزوية فى ركن الحجرة تصرخ وتكاد تموت من الخوف والرعب.

بعد عدة أيام كانت الطفلة تصدر حركات مثل الكلب المسعور، عندما ذهبا بها إلى الطبيب قال لهما:

- إن كلبًا مسعورًا قد عضها، وإنه لا مجال لإنقاذها فقد تأخرتما.

ماتت الابنة بعد ثلاثة أيام.

مرت سنوات طويلة على هذا الحادث، وها هى زوجته بعد سنوات تحاول أن تمارس عليه لعنتها.

شعر بالخطر يقترب منه هذه المرة، حاول الابتعاد عنها، نجح فى أن يتفادى لمسات كفيها، كانت تنظر له نظرات حارقة، تجعله يرتبك ويحاول أن يخفى خوفه من أن تكتشف أمره.

كان الإرهاق والتعب فى كل مرة يهزمه أمام إصرارها على تحسسه وتلمسه، لم تجرؤ على البوح له بما تتنبأ به، ولم يمتلك الجرأة أن يعترف لها.

لقد بدأت تمسك بخيط سيوصلها إلى شىء ما، وزاد من يقينها هذا أن زوجها أصبح يتحاشى نظراتها، يتجنبها فى الفراش، لا ينتبه لكلامها، دائم الشرود، يتسربل بهدوء لم تعهده فيه من قبل.

بعد انقضاء عدة أيام، بدأ يفقد قوة السيطرة على أعصابه، فى خاتمة المطاف قرر أن يستسلم ويبوح لها بكل شىء وهو يعلم أن ذلك سيؤدى إلى درب محفوف بالمخاطر، لكن ماذا يفعل وقلبه يشى به ويدفعه إلى كرسى الاعتراف، حتى لو أدى ذلك به أن يمسك الحطب ليلقم النار التى قد تحرقه، لكنه يريد أن يزيح هذا الحجر الثقيل الذى يجسم على روحه، يريد أن يطرد الهم الذى ينداح بداخله، لقد كانت لمسات أنامل زوجته كالأشواك المتوهجة على أضلاعه، تنغرس فيه وتدمى جسده.

ودونما جهد عرفت منه ، انه يفكر فى الهرب منها مع أخرى، وقد رتب كل شىء، لكنه فى اللحظة الأخيرة قرر الرجوع عن ذلك، قرر البقاء معها هى، رغم المعاناة التى تكتم أنفاسه.

استمعت إليه دون أن تعلق على شىء، خلال اعترافه لها، كانت تفك العصبة السوداء من على أنامل يديها، بدأت تتحسسه، تتلمسه، تضغط عليه بقوة كلما تمادى فى اعترافاته.

فى تلك الليلة، أدرك أن لعنة الالتصاق بها والعيش معها قد أصابته منذ زمن بعيد وهو لا يدرك ذلك، وأن روحه معلقة بخيط لعنتها، انتابته نوبة من البكاء واستسلم لها.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز