البث المباشر الراديو 9090
عزة كمال
منذ فترة تباغتنى وتُلح على صورتها وصوتها الذى لا يضاهيه صوت آخر فى شجنه وعذوبته.. فى الصباح استيقظ كالمجنونة أبحث عن دفترى و قلمى، وأبدأ فى رسم شخصية فيلمى التى تدفعنى لأن أمسك بخيوط أساسية لصناعة هذا الفيلم

أننى أحمل فكرته فى داخلى منذ سنوات، يطرح نفسه على، وأحيانًا يراودنى كحلم من أحلام الزمن القديم، فتصبنى الإثارة والانجذاب تارة والتشكك والرفض تارة أخرى، لكن الشيء الأكيد الذى استطعت الإمساك به هو أن عوالمه وقصصه وأشخاصه موجودة بشكل ما داخلى، فأنا أشتم رائحتهم وأسمع أصواتهم، لقد ولدوا داخلى الآن، ويجب أن أبدأ العمل حتى تنتهى هذه الحمى التى ستفضى بى إلى الهلاك .

تجولت فى عالم هذه الفنانة من خلال الكتب والمقالات التى كتبت عنها فى أوج ازدهارها وتألقها، وكذلك فى الزمن الذى خبت فيه أضواؤها، كنت أحلم أن أصنع فيلما عنها، وقد عقدت عزمى أن أكتب السيناريو طبقًا لجلسات منتظمة معها فهى ما تزال على قيد الحياة، لكنها منعزلة فى بيتها فى إحدى المحافظات القريبة من القاهرة وهو ما سوف يكلفنى جهدًا ومالا لأننى سأنتج هذا الفيلم بنفسى، سوف أستعين بأصدقائى ليشاركونى فى صناعة هذا الفيلم، المصور، المونتير، لكن يجب أن ندبر المال اللازم لاستئجار الكاميرا ومعدات الإضاءة وأجور العمال وشرائط الفيلم .

استغرق الحصول على المال والاتفاق مع فريق العمل قرابة الثلاثة أشهر، عن طريق أحد أساتذتى الذى كان يدرس لى فى معهد السينما حين كنت طالبة، استطعت أن أحصل على أول ميعاد مع "زهرة"، وهو أسمها الأصلى وليس الفنى، قد اشترطت هى أن يكون اللقاء يوم الجمعة فى ميعاد "الصلاة"، استغربت ولم أفهم لماذا هذا التوقيت بالذات، ولكنى عرفت فيما بعد أنها تفضل الوقت الذى تكون فيه الطرقات والشوارع الملاصقة لبيتها هادئة حتى لا تنزعج هى أو ينزعج أحد من ضيوفها لأن الناس بطبيعتهم فضوليون ومتلصصون .

عند الثانية عشرة والنصف صباحًا وصلت أنا و معى صديقى المصور الذى أصررت على اصطحابه فى الجلسات التحضيرية كجزء من معاينة المكان حتى يتسنى له وضع تصور عن الإضاءة فى علاقتها بالمكان وعلاقتها بالشخصية والزمن أيضًا .

عندما ضغطنا على جرس الباب سمعنا خطوات متباعدة، فتحت شراعة الباب، وتكلمت من خلفها دون أن تطل بوجهها، طمأنتها و أخبرتها بأننا فريق الفيلم .

فتحت لنا الباب بنفسها فلا يوجد أحد معها ليؤانسها أو يقوم على خدمتها لا قريب ولا صديق، كان ظهرها محنيًا قليلا، شعرها أسود داكن من أثر الصبغة يتخلله الصلع تضع فى منتصفه إيشارب مربوط من الخلف، ترتدى ثوبًا أزرق اللون من الستان المطرز بأزهار وردية، متسخ عند حافة الأكمام واللياقة، وبال فى بعض أجزائه وبقع الزيت تنتشر فى ذيله، ومن ضوء السلم الذى انعكس على وجهها وصدرها لاح نهداها المتهدلان من خلال ثوبها القديم، رحبت بنا وبابتسامة ودودة  دعتنا للدخول، مشينا ورائها ببطء فقد كانت خطواتها ثقيلة متعبة، جلست على كرسى يستند بظهره على النافذة المسدلة الستائر، وأشارت لنا بيدها للجلوس، استأذناها أن نفتح الستائر فقد كان ضوء النهار جارحًا فى الخارج، ترددت للحظات، وتغيرت ابتسامتها، وأصبحت ابتسامة صغيرة حزينة و مرت بنظرتها الثابتة الخائفة من فوقنا كأنها ترجونا ألا نفعل، لكنها قالت، ممكن أن تفتحوا الستائر، لكن لا تقربوا الجزء الذى يقع خلفى مباشرة، قام المصور بفتح الستائر وتنفيذ ما أمرت به، انتشر الضوء فى الصالة على الجدران والكراسى والأرائك ولمس جزءا من وجهها، ارتجفت وغطت بيديها بشرتها وعينيها، لم تكن تريد أن يرى أحد وجهها فى النور فقد صال فيه الزمن وجال وحفر فى ثنايا الجلد علامات السنين ولم يستطع الكحل و لا أحمر الشفاه أن تخفيها أو تخفف من وطأتها .

تجولت فى أنحاء المنزل الذى كان يوم فيلا تدل على العز و الجاه. فى محاولة لاستكشافها و سبر غورها، كانت تتكون من طابق أرضى يحتوى على جراج وحجرتين للخدم، وطابق علوى حيث تسكن هى فى الداخل كان البيت مظلما وكئيبا، ستائر النوافذ مسدلة لا يمر من خلالها شعاع ضوء أو ضى قمر فى زيارة عابرة، غرفة الاستقبال واسعة و دائرية ستائرها زرقاء باهتة أما أرضية الغرفة فمفروشة بسجاد أحمر اللون باهت و بال، وخطوط نسيجها مُعظمها بارز، مُطرزَة بزهور حمراء و زرقاء، تنتشر فى الغرفة عدد من الكراسى مزدانة بنسيج مطرز برسومات مختلفة، وهناك بعض المناضد الصغيرة التى وضع على سطحها بعض التماثيل قاتمة اللون، كان المكان كله مهلهلاً وعبق القدم يفوح منه، تؤدى حجرة الاستقبال إلى بهو يفتح على غرفتين إحداهما فى الناحية اليمنى والأخرى فى الناحية اليسرى التى عرفت فيما بعد أنها غرفتها عندما دعتنى إليها، تلك الغرفة ذات النكهة الخاصة التى تشعرك بأنك من زمن آخر، فستائرها المخملية الحمراء يكسوها التراب وسجادة الغرفة هى الأخرى حمراء، والجدران حمراء، ألواح الأرض الخشبية متداعية ومنهارة فى بعض الأماكن، صوان كبير ذو مرايا هربت منها ماء فضتها وكسر بعضها، منضدة للزينة تعلوها مرآة بإطار مُذهب، أكوام من أدوات التبرج التى نشفت مساحيقها من فعل الزمن، زيوت عطرية فى زجاجات ملونة يغطيها الغبار، سرير كبير من الخشب الداكن يعلوه لوحة زيته لإمرأة عارية، عندما دخلت الغرفة ناحية اليمين، أرعبنى ما رأيت، تساءلت ما هو الشيء الذى لم أشاهده أو لم يقع نظرى عليه، كراسى قديمة متهالكة، أكوام من الملابس الرثة، قطع خشبية صغيرة، قطع معدنية، أسلاك، قبعات، كتب....، كانت رائحة العطونة تنفذ من الغرفة القديمة الخانقة، وكانت الغرفة فى حالة من الفوضى كأن أشباح عبثت بها .

جلست معها من أجل أن أضع الخطوط العريضة للسيناريو، تحدثت كأن صوتها قادم من كتاب يحكى عن الأساطير، وقد دونت الكلام فى بعض الأجزاء على أنه مروى عنها وفى بعض الأجزاء الأخرى على أنها السارد أو الراوى نفسه.

لا يكاد تخلو ليلة من حفلات الطرب واستقبال الضيوف، كان الخدم يجهزون المكان بعناية كبيرة، كانت تهتم بأن تضع فى الأوانى الزجاجية الأزهار والورود التى تعطر المكان وتنشر حول ربوعه البهجة، و تملأ الأباريق النحاسية بماء  الزهر، يُشرف على الطعام طهاة أتراك وأرمن، كان الشراب متنوع فى الحفلة، يتألق البيت وكأنه جنة موعودة لأهل الطرب والمغنى والفن، كانت بعد اكتمال حضور المدعوين تظهر من وراء الستارة التى تفصل بين حجرة الاستقبال والبهو المؤدى إلى غرفة نومها، وعند ظهورها يقف الجميع مترنحين وفى عيونهم شبق حلم لقاء غير مؤكد فى الهزيع الأخير من الليل، وقد كان هناك من أدمنوا فقط رؤيتها كل ليلة والاكتفاء بمجالستها، لكنها كانت مُغرمة بشخص واحد فقط، شخص لم يُقدِم لها فروض الطاعة كالآخرين، كان فقط يهتم بأن يبدى رأيه فى أدائها الفنى.

"عشنا معًا أروع وأجمل أيام كأننا فى عرس دائم، كان خبيرًا فى إشعال قلبى وجسدى، لا يضنى على ولا امتنع أبدًا عنه، لم يكن وقحًا بل كان مُتيمًا معطاءً، كنت أغار عليه، غيرتى قتلتنى وقتلته .

كان يقودنى كما يقود سفينته حتى لو اجتاحتها العواصف والرياح المُدمرة، فقد كان قادرًا أن يعبر بى لبر الأمان، مرفأ السلام، كنت انتظره أسابيع وأحيانا شهورًا فقد كان يعمل قبطانًا، كانت اللهفة والشوق يقطعان قلبى ويلهبانى، أصابنى الشحوب والشرود مرات و مرات، فى تلك الليلة كنا على لقاء، تجملت كما لم أتجمل من قبل، انتظرته...... لم يأت، لقد خطفه البحر، غرق فى لجاجة، غرقت من يومها فى عزلتى، فقد كان أقرب إلى من حبل الوريد وما كنت فى غفلة من هذا، لا تفارقنى صورته، لا يفارقنى الألم، اكتسحنى الحزن"  

ترددنا عليها أكثر من ثلاث جلسات، وقررنا أن نبدأ التصوير فى الزيارة الرابعة .

كان علينا أن نجهز مشهدًا نقدم فيه أغنية من أغانيها المحببة إليها، فنوهت لها إنها يجب أن ترتدى فستان من فساتين السهرة التى كانت تظهر بها فى حفلاتها، ساعدتها على النهوض والتوجه إلى حجرتها، بعد حوالى نصف ساعة كانت ترتدى فستانًا أحمر من "الموسيلين"، وكانت تضع خاتمًا ذا حجر من العقيق فى سبابتها اليمنى، و طلبت منى أن أساعدها فى وضع عقدها اللؤلؤى حول عنقها، لاحظت أن حبات اللؤلؤ معظمها قد سقطت عنها قشورها، ولكنى لم أملك إلا أن اسمع كلامها، فقد كان هذا جزءًا من جعل اللقطة تحوى توترًا فى داخلها، شعرت بالأسى تجاهها وأنا أتخيل إننى أرى وجهها فى لقطة عن قرب، لكنى أدركت أن شخصيتها ستكون أكثر تعبيرًا عندما تبدأ بالغناء الذى سأستخدمه كثيرًا من خلال اللقطات الكبيرة، تم تجهيز الإضاءة فى البهو الدائرى، الخلفية مُعتمة، وهى تقف فى المنتصف وبقعة ضوء دائرية مُسلطة على وجهها وجسمها، سوت شعرها بأناملها الرقيقتين المجعدتين، انحنت أمامنا واتخذت مكانها للغناء ومثل شبح صغير يحملق بعينين شاردتين همت بأن ترفع صوتها...ترددت، احمر وجهها خجلًا، حاولت أن تخرج صوتها، جاء واهنًا ضعيفًا، كان الصوت البائس يحاول أن يستعيد بعضًا من ثقته، كان يترنح باحثًا عن مقطع ينقذها، نظروا إلى وجهها بدهشة ولم يشاهدوا سوى عزيمة قوية، حاولت جاهده، لكن النغمات استعصت عليها، أشاحت عنها، كانت عيناها تطوفان فى أرجاء الغرفة كما لو أنها تبحث عن شيء ما، شيء افتقدته، خزت الدموع عينيها ولكنها لم تنهمر، أخذت تهتز ذات اليمين وذات الشمال، ارتفع صوتها رويدا.. رويدا، منحت نبرة صوتها العذب بعض الشجن الذى دغدغ قلوبنا، أخذت أنفاسها اللاهثة تهدأ قليلًا، لكن قلبها أخذ يخفق بشدة، استحوذت عليها الذكرى التى بدت متوارية مع ألامها، أرجعت رأسها للخلف، ها هم مئات المتفرجين الذى يعج بهم المسرح الكبير وهم بكامل أناقتهم ينتظرون فتح الستار.

تعزف الموسيقى كمقدمة لدخولها ثم تفتح الستار فيرن المسرح بتصفيق حاد لا ينقطع، تظهر بأبهى صورتها بأوج شبابها وحيويتها و صخبها، تملك صوتها كما تملك كل جوانب المسرح، تسيطر على كل شيء فيه، أضواؤه، الستائر، الميكروفون، الأوركسترا، الجمهور المحتشد المتيم بها، يرن فى أذنيها صوت التصفيق الحاد المتواصل وكلمات الاستحسان  التى تشعرها بالنشوة وتهز كل خلجة من خلجاتها، وفى الصفوف الأمامية كان عُشاقها من الأمراء والبكوات من هواة الغناء يتراصون بجوار بعضهم البعض، وكل واحد منهم يمنى نفسه بليلة هوى معها، كانت حركة يديها ونظراتها الجانبية وصوتها الممتد المساحة بمثابة حوار بديع بينها وبين بطانتها الذين  يقفون على المسرح، كانت آهاتها كمحطات لحنين ينبعث عندها ما يجيش به صدرها من الطرب، صوت واضح النبرات يعبر المقامات دون نشاز، عميق الأثر نادر معبر حساس، مسيطر على الأفئدة و العقول، وكما كان صوتها جميل المعدن كان أداؤها لا يقل عنه جمالًا، نار اللوعة المنبعثة من غنائها كانت تلسع المستمعين وكبار الملحنين وتسحر ألبابهم، ترسم على وجه الليل أزهارًا وأقمارًا، كأن هناك بلابل فى حنجرتها، ألم تحاول مغنيات كثيرات تقليدها وهن اللاتى كن يحسدونها على نجاحها العظيم والحظوة التى تنالها من مجالس الأمراء و الكبراء، ينحنوا لها إجلالًا وتقديرًا وحبًا لفنها الرفيع، ترنحت وغامت عينيها، أسرعنا وأمسكناها وأجلسناها على الكرسى، قالت أنا آسفة، افتكرت أيام زمان .

صمتت مقطبة مغتمة، تطلعت إلينا بعين متوحشة مرتابة وتابعت كلامها، الآن أصبحت بالنسبة إليكم أنتم أيضًا ماضيًا، مجرد ذكريات كانت تملؤها السعادة.. أسدلت جفنيها وأمسكت عن الكلام، انساب العرق على جسدها .

نظرت إليها واعترتنى رغبة مُلحة فى أن احتضنها، فقد أنست إليها وأسرتنى بحزنها الطافح على وجهها الضامر الهادئ الوديع، توجهت ناحية النافذة أغلقت الستائر، ألقيت عليها غطاءً من الصوف، واستدرت مولية ظهرى لها، تمهلت فى السير ممعنة النظر فى أرجاء البهو، لمحت صورتها المعلقة على الجدار، أميرة تتباهى بجمالها، تنهدت مصدرة أنة خفيفة، أحسست بلسعة برد تعترى جسمى وسمعت نباح كلاب بعيد، همست لصديقى المُصوِر الذى لمحت الدموع تتلألأ فى عينيه وشفتاه  ترتعشان، للزمن أيضًا مقتضياته هذا المساء زائف، أطفأت النور وتمتمت كلاكيت آخر مرة.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز


اقرأ ايضاً