جمال رائف
بل اندلع الربيع العربى ليشكل الشرق الأوسط وفق هذه الرؤية الغربية ليفتيت ويقسم إلى فيدراليات ومقاطعات تمارس عليها أوروبا وأمريكا دور الشرطى العالمى
ومع الوقت يكتشف الجميع أن هذه الأنظمة التى وصفت بالديمقراطية ومراعاتها لحقوق الإنسان وغير ذلك من المثل العليا هى فى واقع الأمر هشة من الداخل وتتخلخل وتظهر حقيقتها إذا اصطدمت بطموحات شعوبها وهو ما يحدث الآن فى فرنسا، بعد أن نزل الى الشوارع أحفاد الثوار الفرنسيين الذين ارتدوا السترات الصفراء ليعيدوا إلى الأذهان فكرة الثورات الملونة التى ظهرت فى أوروبا الشرقية ووسط آسيا والتى فى غالب الأمر أدت الى فشل الدول اقتصادية وبالطبع سياسيا.
أما فى الحالة الفرنسية فالأمر لا يتعلق بالداخل فقط لكنه يتعدى هذا ليصل إلى المحيط القارى فهى الركيزة الثانية التى تهتز فى الأتحاد الأوروبى بعد بريطانيا التى صوت قادة الاتحاد على خروجها من هذه المنظمة القارية مما يؤثر أيضا على ألمانيا الضلع الثالث لهذا المثلث الذى يتحمل الجزء الأكبر من ميزانية الأتحاد الأوروبى، وبالتالى لن تستطيع تحمل هذا الثقل وحدها إذا حدث مكروه بالاقتصاد الفرنسى، مما ينذر بسقوط تدريجى للاتحاد الأوروبى خصوصًا فى ظل استمرار السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه الاتحاد الذى بات يختلف معها فى القضايا المتعلقة بإيران وروسيا والتغيرات المناخية واتفاقية الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى وغيرها من القضايا.
وهو أيضا ما كشف عنه ترامب من خلال تغريداته على تويتر مشعلا للأوضاع فى باريس بل فى أوروبا بأكملها قائلا: "المظاهرات الضخمة فى فرنسا لا تأخذ فى الحسبان مدى السوء الذى عامل به الاتحاد الأوروبى الولايات المتحدة على الصعيد التجارى وكيف أن الولايات المتحدة لم تحصل على مقابل عادل نظير الحماية العسكرية التى تقدمها لدول أوروبا"، وهذا الأمر ذاته الذى دفع الرئيس الفرنسى ماكرون من قبل أن يدعو لإنشاء قوات أوروبية مشتركة فى إشارة أن الناتو بوضعه الحالى مع الشريك التقليدى وهو أمريكا لم يعد يناسب متطلبات الأمن القومى الأوروبى.
أما على الصعيد الشعبى نجاح الثورة الصفراء فى فرنسا قد يحفز بعض الحركات الانفصالية داخل أوروبا من التقات عدوا الثورة وخصوصًا بدول شهدت محاولات من هذا النوع مثل إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وأيضا إنجلترا فيما يخص اسكتلندا وأيرلندا، مما ينذر بخريف أوروبى يقسم القارة من جديد وهو الأمر الذى قد يصعب علينا تخيله وقد يحتاج لمزيد من الوقت فبالطبع انهيار الاتحاد الأوروبى ليس بالأمر السهل واليسير وسيضر بالتبعية بموازين الاقتصاد والسياسة العالمية مما يتيح الهيمنة الأمريكية بشكل أكبر وربما هذا أيضا يبرر سعى ترامب نحو تأجيج الوضع بالداخل الأوروبى.
ربما تخمد الثورة الصفراء فى باريس ولكن ستظل النيران تحت الرماد فى أوروبا تشعلها تيارات اليمين المتطرف واليسار الراديكالى وايضا تغريدات ترامب النارية، فالأمر ليس كما يبدوا على السطح!