جمال رائف
لكن هيهات.. هذا الوطن شعبه يمتلك من الفطنة واليقظة ما يدفعه للفظ تلك التخاريف الإعلامية، ما يدفعهم للبحث عن عقول بيضاء لخطفها وتلويثها بالأكاذيب، وهو الأمر الذى أثبت فشله أيضًا، ولم يستجب أحد لإعلام الإرهاب مثلما لم يستجب الشارع لدعوات جماعات الفوضى والخراب، بعد أن اتفقت رؤية جماعة الإخوان الإرهابية مع قوتها الناعمة والمساندة لها، سواء من قنوات موجهة أجنبية من الغرب أو منابر الشيطان فى قطر وأسطنبول.
وتهدف تلك الرؤية لاستهداف عقول الشباب والنشأ الجديد، الذى لم يستوعب الربيع العربى وغزو العراق، وكان حينها صغيرًا أو لم يولد بعد، بالتالى هذه العقول اليافعة ليست لديها خبرات سابقة، ولم تخض تجربة الفوضى الخلاقة من بدايتها، ومن ثم يسهل خداعها عبر جماعات الإرهاب الإعلامى كما حاول أهل الشر مجتمعين بالنزول بمستوى الخطاب السياسى للغة ضحلة تعتمد على ألفاظ وعبارات خارجة فى بعض الأحيان، للتأثير على عقول بيضاء أخرى ليست مهتمة بالشأن السياسى، وهو ما يبرر اختيار "كومبارس" فاشل أو ناشط قديم ليظهر مجددًا فى دور المهووس للتحدث بلغة سوقية تستقطب مباشرة الفئات التى يعتقدون أنها مغيبة، ومن هنا يمكن القول أن الجماعة الإرهابية وإعلام الشر يجددون من خطابهم التحريضى!
فى المعارك البارود ليس هو السلاح الوحيد الفتاك، لكن لتمرير تلك القوة الخشنة يلزمها قدرًا من القوة الناعمة التى تغسل العقول، وتخطف الوعى، وتثير الذعر والخوف، فتمهد الطريق أمام القوة التقليدية للدخول والمرور فى شوارع المستعمرة الجديدة، فلولا إعلام الجزيرة و"بى بى سى" وغيرها من منابر الشيطان الموجهة للعالم العربى، لما رحب العراقيون بالقوات الأمريكية، ولم تكن لتمر الدوريات التركية فى شوارع قطر أو سوريا، ولم نكن لنرى شعوب عربية ترفع أعلام دول غربية، فى حين تدهس علم وطنها، إنه الخطف الذهنى الذى مارسته القوى الناعمة المساندة للإرهاب، ما يُعد أيضًا أحد وسائل الدول الإمبريالية الطامعة فى غزو وتقسيم منطقة الشرق الأوسط.
فحينما شرعت إنجلترا بالتحديد فى دعم جماعة الإخوان الإرهابية، بتمويل البنا، لتدشين الجماعة كأداة تخريب داخلية فى المنطقة، كانت تدرك أن عليها تقديم دعم معنوى وفكرى لتلك الجماعة وغيرها من الأفكار المتطرفة، بالتالى ظهرت "بى بى سى"، التى كانت تهدف أيضًا حين نشأتها إلى السيطرة على عقول شعوب الدول الإفريقية والعربية، التى هى تحت احتلال التاج البريطانى فى ظل تنافس قوة ناعمة أخرى على خطف تلك العقول مثل إيطاليا وفرنسا على سبيل المثال.
بالفعل استطاعت هذه الإذاعة حينها من المرور داخل الأوساط العربية بالتحديد، وأقنعت المواطن العربى أنها النموذج الأمثل للإعلام الموضوعى الحيادى فى حين كانت تُمارس تزييف الوعى بسحر المحتوى الذى فى ظاهره الحق، وفى باطنه التضليل والكذب.
لم تكن "بى بى سى" وحدها من تحاول أسر العقول العربية فى غيبات الأوهام، بل نفس المهمة كانت تقوم بها غالبية القنوات الأجنبية الموجهة إلى المنطقة العربية، وعلى قدر استجابة بعض الشعوب لها كانت استجابة دولهم للسقوط، خصوصًا خلال موجة الخريف العربى التى لعبت فيها تلك القنوات دورًا تحريضيًا ساهم فى تزييف وعى الأمة العربية.
يقول واقع الامر إن الشعب المصرى لم يستجب يومًا لتلك الأداة الإعلامية الموجة من الخارج بل كلما هاجمت تلك القنوات وعى المصريين، كلما ازداد هذا الوعى قوة وصلابة، ربما لأن فطرة المواطن المصرى تدفعه لعدم الثقة فيما يقدمه له المستعمر القديم والطامع حتى الآن فى مقدرات هذا الوطن العظيم، ورغم هذا لم ييأس إعلام الإرهاب، ويحاول طوال الوقت من خلال "أراجوزات السلطان" فى أسطنبول أو "كومبارسات" أفلام المقاولات أو حتى باستخدام بعض الوجوه القبيحة من العملاء والخونة جواسيس هذا العصر المعروفين بالنشطاء.. لتظل الهوية التى يعجز الأعداء عن تفكيك مفرادتها هى حصن هذا الوطن ونجاته من المكايد والفتن.