جمال رائف
هكذا نجحت التجربة المصرية فى السيطرة على تدفق الصراعات الإقليمية التى حاولت المرور عبر أراضيها بحنكة وقوة المقاتل المصرى وصبر وجلد الشعب العظيم، خلطة مصرية تتكون من حب الوطن الممزوج بالإصرار على الحياة مضاف إليهم الرغبة فى التضحية من أجل أن تبقى مصر، إذ جعلت هذه الأرض عصية على الأشقياء الذين يصعب عليهم عبور سياج من الإيمان بالله والوطن يحترق على اعتابه أعداء الحياة.
نظرة صقر هى ما نحن فى حاجة إليه، وهكذا أشار الرئيس عبد الفتاح السيسى فى عدة أحاديث له حيث دائما يؤكد على أهمية النظر لجميع التحديات الإقليمية التى تواجه المحيط الإقليمى سواء كان الشرق الأوسط أو إفريقيا، وبالفعل نحن علينا الارتفاع والنظر من أعلى نقطة يمكننا الوصول إليها ونتابع صراع هذا القرن وما يحدث فى سوريا ولبنان والعراق وليبيا وأيضا اليمن من صراعات وتدخلات خارجية، وكيف أن تلك الدول دخلت فى دوامة الاستسلام لها يعنى فشل الدولة والخروج منها لا يتحقق سوى بالتشبث بمقاليد الدولة الوطنية بعيد عن المحاصصة والطائفية التى أفسدت الحياة السياسية، وعززت من الفساد وأدت بتلك الدول إلى واقع مقلق وإن كانت نسب المخاوف متفاوتة بين كل دولة وأخرى إلا أن جميعهم فى خطر متساوى.
الأقليم أيضا يضم تجارب تحول سياسى مقلقة خصوصًا أنها غير مستقرة بشكل كامل حتى الآن وعلى رأس تلك التجارب تونس والجزائر والسودان وما يجمعهم هو البحث عن الرفاهية السياسية والسعى وراء التجربة الديمقراطية الغربية التى لن تتحقق بدون رفاهية إقتصادية فى المقام الأول وبالتالى المعادلة معكوسة، حيث تبحث تلك الشعوب على الإصلاحات السياسية فى حين تم إهمال الاقتصاد فى وقت تعانى فيه تونس مثلًا من شبح الإفلاس بينما السودان يمر بمنعطف اقتصادى خطير للغاية.
ليس بعيدًا عن شمال إفريقيا، حيث البحر المتوسط والذى أصبح ممرًا لتدفق الإرهابيين بالإضافة لللاجئين والهجرة الغير شرعية، تحديات خطيرة تحيط بشمال مصر فى ظل تربص الطماع التركى بمقدرات شرق المتوسط وهو ما يبرر تواجده فى ليبيا ودعمه لمليشيات السراج الذى يدين له بالولاء وفى المقابل يحصل من أردوغان على السلاح مقابل النفط المسروق كيفما حصل فى سوريا، حيث تجيد تركيا المتاجرة مع أبنائها من الدواعش، وهنا يجب أن نذكر ثلاثى الرعب فى المتوسط الذى أغرق أحلام الخليفة المريض أردوغان حيث يعد التحالف بين مصر واليونان وقبرص بالإضافة إلى إنشاء منتدى غاز المتوسط ومقره القاهرة نقطة فاصلة مكّنت الدول من إحكام القبضة على مقدرات شعوبها التى يحاول اللص العثمانى سرقتها.
بعد آخر لاضطرابات يؤثر على الجدران المصرية وهو المتعلق بتأمين منافذ التجارة العالمية وخصوصًا باب المندب التى تحاول إيران عبر ذراعها الحوثى فى اليمن العبث طوال الوقت بأمنه فى ظل توترات القرن الإفريقى التى ربما تظهر أنها قد خمدت بعد المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، ولكن مازالت النار تحت الرماد والوضع قابل للاشتعال فى أى وقت، وأن الشيطان التركى يسكن الصومال وإيران تنتظر على الشاطئ الآخر حيث اليمن والصراع القادم إيرانى تركى بعد أن تراجع الدور الإيرانى مقابل الدور التركى فى سوريا، هذا بالإضافة إلى ملف التعاون المائى الذى تتشارك فيه بعض دول القرن والحوض والذى يتعقد ويضيف المزيد من القلاقل لمنطقة تشعلها طوال الوقت الصراعات الإثنية والتى من الممكن أن تتصاعد فى ظل التوترات فى السودان وجنوب السودان وما بينهم بالإضافة لما يحدث فى الصومال من تمزق للدولة برعاية تركية، هذا بجانب الخلافات التاريخية التى خلفتها حدود الاستعمار بين دول القرن الإفريقى.
المحيط الإقليمى لمصر ليس على قدر هذه الخطورة بل هو أشد خصوصًا حينما نتحدث عن الجانب الشرقى من الحدود المصرية حيث العدو القديم وقضية العرب الأولى وهى فلسطين والتى دفعت مصر ثمنا باهظًا طوال العقود الماضية ومازالت تدفع مقابل إيجاد حل عادل وشامل لتلك القضية التى أفرز الصراع بداخلها عن إنبات فكر متطرف ترك القدس ويحارب العرب!
هذا جزء مما يحيط بمصر الصامدة فى إقليم اشتعلت بجدرانه النيران فباتت الأنقاض تبكى من كان يسكنها والأرض تدنس بالأغراب، والثروات تنهب من لصوص هذا الزمان ،حافظوا على أسوار الوطن وحصونها بالعمل والبناء ومحاربة الإرهاب لتحيا مصر فى عصر زوال الأمم.