جمال رائف
ورغم الهزائم السياسة والاقتصادية المتتالية التى يتلقاها النظام التركى، إلا أنه مستمر فى ممارسته التى تعزل دولته عن محيطها يوما بعد يوم، وأصبح الواقع يسطر مواقف مصر الشريفة والداعمة لترسيخ السلام فى المنطقة، والتى تحبط أطماع أردوغان، بعد أن بات تباين المواقف واختلافها تجاه قضايا المنطقة يظهر نزاهة وشفافية السياسة الخارجية المصرية.
فمرورا بالموقف المصرى من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتحركاتها الدولية واسعة النطاق والتى حالت دون أن تنقل دول أخرى سفارتها إلى القدس، فى حين كانت إحدى الشركات التركية تساهم فى عملية بناء السفارة الأمريكية، وصولا إلى سوريا حيث بادرت الإدارة المصرية بالتحرك وتكوين رأى عام عربى غاضب حيال التوغل التركى فى شمال شرق سوريا، ودعت لقمة عربية عاجلة وتحركت على كافة الأصعدة والمستويات الدبلوماسية حتى تمكنت من تحجيم العدوان التركى، ولولا الدور المصرى ومساندة الأشقاء لكانت تركيا ترتع فى أرض عربية أهلها أولى بها.
ملف آخر أظهر الفرق الشاسع بين تعامل الدولة كمؤسسات وشعب مع الفارين من النزاعات والحروب وبين عصابة تتخذهم رهائن فى مخيمات للحصول على أموال أوروبية، حيث اتضحت هنا قدرة مصر على إدارة ملف اللاجئين بشكل إنسانى يليق بمكانتها فى قلوب السوريين وغيرهم بمن أتوا للاحتماء بأسوار المحروسة الحصينة.
أما على صعيد شرق المتوسط حققت السياسية الخارجية المصرية نجاحا غير مسبوق كونها دولة تحترم جيرانها والقانون الدولى مما أكسبها ثقة دول الإقليم، فى وقت اختارت تركيا العزلة الإقليمية كونها تمارس البلطجة السياسية، ورفضت التعاون وأعلت من أطماعها فغرق أردوغان ونظامه داخل دوامه الأوهام، فى حين استطاعت دول شرق المتوسط من تحقيق التعاون اللازم عبر البناء التعاونى بين مصر واليونان قبرص، والذى انطلق بعد ترسيم الحدود البحرية إلى آفاق جديدة شملت أوجه التعاون بمختلف المجالات والقطاعات أو عبر منتدى غاز شرق المتوسط ومقره القاهرة والذى جعل من ثروات المنطقة منطلق للتعايش بديلا عن الصراع، والذى تسعى تركيا لإشعاله فى البحر المتوسط سعيا لنهب مقدرات الشعوب دون رقيب أو حسيب.
وبعيدا عن مظلة القانون الدولى استدعى أردوغان، فائز السراج، الذى يستولى على رئاسة المجلس الرئاسى الليبى، إلى اسطنبول فى اجتماع سرى، وقع خلاله على تفاهم أو اتفاق يفقد ليبيا سيادتها على مجالها البحرى، حيث وقع من لا يملك لمن لا يستحق، فالسراج لا يملك الشرعية لتوقيع مثل هذه الاتفاقيات والتى تتعارض مع القانون الدولى من جهة، وتحتاج إلى تصديق البرلمان الليبى المنتخب أيضا، والذى انتفض رئيسه عقيلة صالح، وباقى النواب رافضين هذا الاتفاق المشبوهة، والذى يتيح بيع مقدرات ليبيا إلى تركيا، بل جاء الرفض من داخل المجلس الرئاسى نفسه المنقسم داخليا، وعبر عن هذا الانقسام نائب رئيس المجلس الرئاسى الليبى فتحى المجبرى، الذى زار القاهرة الأيام الماضية معبرا عن أهمية الدور المصرى فى إيجاد مخرج للأزمة الليبية فى ظل الانتهاكات الأخيرة المتعلقة بولاية رئيس المجلس بالمخالفة لاتفاق الصخيرات السياسى.
ليبيا وسوريا والصومال وأيضا شمال قبرص، نقاط متفرقة تجمعها الأطماع التركية التى تحاول الانقضاض على ثرواتها، وأصبح التواجد التركى فى تلك المناطق يشكل تحديا صريحا للمجتمع الدولى، ويساهم فى خلق الفوضى وعدم الاستقرار فى تلك الأقاليم، مما يستدعى تحركات دولية مكثفة لكشف النوايا التركية الخبيثة، والتى تؤسس للخراب وتصدر الإرهاب للعالم.
المجتمع الدولى يقدر دولة المؤسسات القوية القادرة على استخدام كافة المفردات المكونة لنظامها فى تحقيق أهدافها والحفاظ على مقدرتها، وأيضا قدرتها على التكيف مع المحيط الإقليمى والدولى، والتفاعل داخل المنظمات الدولية، وهو ما حققته مصر بعد ثورة 30 يونيو، حيث تشكلت أدوارا ومهاما لمختلف قطاعات الدولة، واستطاعت أن تطور من قدرتها الدبلوماسية بالتوازى مع قدرتها العسكرية التى تحقق الردع الكافى.
وأمام دولة المؤسسات تنهزم دائما دولة الفرد الواحد المتمثلة فى تركيا، التى يجمع فيها أردوغان كافة السلطات بقبضة ديكتاتور يحتكر كافة السلطات ويقمع الحريات، بالطبع بعيدا عن الحرية التى تدر عليه أموالا طائلة وهى التى بين جدران الحانات وبيوت البغاء.