البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
يتساءلون عن طبول الحرب، وهى قد قُرعت منذ غزو العراق وصداها ما زال فى الأذان يُسمع، وشواهدها فى كل مكان تُنظر، حربًا شنعاء أسقطت بغداد ودمرت صنعاء وشتت أهل دمشق وأشعلت النيران فى طرابلس وأثارت الفوضى فى الإقليم، حربًا خدعتها أنك تظن أنها لم تبدأ بعد.

عشرون عاما أو أكثر من الحرب والخراب تعيشها المنطقة العربية التى أصبحت بؤرة صراع للقوميات التى أسست أيديولوجيات متطرفة تحدد الإطار القومى شرطا لبناء الدولة مستترة وراء ستار الدين لهدم الدول الوطنية التى تحتوى التنوع، بهدف إعلاء مفهوم الدولة أحادية القومية الرافضة للاندماج الوطنى والمعادية للآخر على غرار تجربة هتلر، وأصبحت الدول العربية غنائم تتساقط فتتصارع عليها تلك القوى الطامعة التى تحارب من أجل نزواتها القومية فى محاولة لدهس وطمس الأمة العربية، بل وجعل أراضيها مسرحا لصراعتها التى دخلت مرحلة المواجهة المباشرة على الأرض، مما ينذر بكارثة تهدد بقاء تلك الدول العربية.

هذه ليست رؤية تشاؤمية بل الواقع الذى نعيشه ولا يره البعض من ويل غبار المعركة، فكيفما كانت العراق نقطة الإشتعال الأولى هى الآن أولى محطات المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن ظن أهلها أن الحرية قادمة بصحبة الدبابة الأمريكية وأن الجنة جاء بها الملالى الإيرانى، خدعة استفاق منها الشعب العراقى وخرج يطالب بعودة الدولة الوطنية العراقية التى تقبل التعددية والاختلاف المذهبى، رافضًا المحاصصة الطائفية، ومع اقترابه للهدف اشتعل صراع النفوذ بين الأطراف المتغلغلة بالداخل العراقى لتتحول بغداد لساحة نزاع لتحقيق مصالح القوى الخارجية بعيدًا عن مصلحة الشعب العراقى.

الأمر نفسه يحدث بسوريا التى باتت محط نزاع بين القوميات المتصارعة التى تريد فرض سطوتها على الأراضى العربية، وقد استباحت الأطراف الطامعة الأراضى السورية، بل وكانت تركيا من الفجاجة لتتوغل عسكريًا داخل أرضًا عربية مستبيحة قتل شعبها ونهب ثرواتها، وهو ما تريد تكراره فى ليبيا بعد ظن أردوغان أن حلمه المزعوم بإحياء الإرث العثمانى قد أوشك على النفاذ، وفى واقع الأمر هو من نفذ رصيده لدى الشعب التركى لتصبح مسألة رحيله مجرد وقت. 

ليبيا بلد المختار والتى سلمها العثمانيين من قبل للإيطاليين يظن أردوغان، أن بإمكانه استردادها مجددًا، وقد أغفل أن الشعب الليبى ضحى بالغالى والنفيس من أجل تحرير أرضه، وهو الآن على أهبة الاستعداد لصد عدوان العثمانيين الجدد، وسيتساقط الأتراك على أبواب طرابلس إن أرادوا الاقتراب من حصونها المحصنة بجيش وطنى قادر على صد الأعداء.

 المعركة محسومة على الأرض لعدة أسباب من ضمنها أن الجيوش الوطنية دائمًا ما تهزم العصابات المسلحة، وأردوغان سيقوم بإرسال مجموعات إرهابية تحت مظلة الجيش التركى، حتى يثير الفوضى بشكل أكبر بالداخل الليبى، وإذا نجحت تلك المهمة سيقوم بإرسال قوات نظامية لتقوم بالاحتلال الفعلى، لتبدأ عملية سرقة ثروات ومقدرات ليبيا، هكذا يفكر السلطان المريض الذى أصبح كالذبيح يحاول الفرار من شبح الرحيل بعد أن تصاعدت الأزمة الاقتصادية فى بلاده، بالتزامن مع وجود تقلبات سياسية أدت إلى انشقاق كوادر بحزب العدالة والتنمية مثل على باباجان، وأحمد داود أوغلو، وقيامها بتأسيس أحزاب جديدة بالتزامن مع صعود نجم حزب الشعب الجمهورى، الذى حطم أحلام أردوغان، فى الانتخابات المحلية الماضية، بالإضافة إلى وضعه الإقليمى الصعب بعد أن تحولت تركيا إلى دولة عدو لكل جيرانها، وأصبحت خطرًا يهدد بقاء حلف الناتو، مما سيدفع الحلف للتخلص منها بسبب سياسات أردوغان العدوانية التى من الممكن أن تجرجر الناتو فى مواجهة تضر بمصالح دولة الأعضاء.

تركيا الآن تبحث من خلال أردوغان، إحياء القومية العثمانية، كما يحاول الإيرانيين أيضًا فعل ذلك طمعًا فى الهلال الشيعى، كما تترقب القومية الثالثة المشاركة فى هذا الصراع وهى الإسرائيلية وتتدخل عبر الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على مكاسب مثل ما حدث من  سيطرة على هضبة الجولان.

 قوميات رافضة للآخر ودول توسعية تريد أن تفرض هويتها على المنطقة العربية، وهو ما لم يحدث لأنه ضد طبيعة الحياة القائمة على التنوع والاختلاف، والتى تقدر وحدها الدولة الوطنية استيعاب تلك التباينات الثقافية والدينية وصهرها تحت لواء الوطن ليبقى الدين لله والوطن للجميع.  

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز