جمال رائف
الإنسانية فى مواجهة الفيروس اللعين بعد أن قرر الإنسان التخلي عن آدميته وقتل أبناء جنسه وأشعل الحروب وسفك الدماء وشرد الملايين لتأتى كورونا فتلقن البشرية الدرس القاسى.. وتخيره بين التعاون وإحياء الإنسانية أو الإصرار على العداء والموت البطىء.
الأزمة الصحية الأعنف والأسوأ منذ أن حطت أقدام آدم على الأرض وكائنها دماء هابيل التى سفكت ظلمًا ترفض أن تجف بعد أن بات القتل منذ ذاك الحين حتى الآن فى ازدياد، فلم يراع أبناء قابيل الطامعين، رغبة أبناء هابيل فى العيش بسلام.
وبين تلك المعارك الإنسانية جاءت الأوبئة، مثل الطاعون والكوليرا وغيرهم كرسائل من السماء، إلا أن البشرية لم تتعظ وأصرت على صنع البارود الذى أشعل الكراهية بدلا عن صناعة الدواء الذى يشفى النفوس ويحقق السلام منذ بداية تلك الأزمة العالمية الجديدة التى تتعرض لها البشرية وحتى الآن لم تلتفت مختلف القوة العالمية الكبرى لكونها فى مركب واحد سيغرق إن لم يجدف الجميع سويا للوصل بدول العالم إلى بر الأمان.
وفرضت نظرية المؤامرة نفسها على أرض الواقع وتبادلت الولايات المتحدة الأمريكية والصين الاتهامات التى تشير إلى هجمات بيولوجية تستهدف إعادة العالم إلى أحادية القطبية التى ترسخت بعد انتهاء الحرب الباردة، وكادت الصين أن تحطمها وتعيد العالم إلى ثنائية القطبية كيفما كانت العالم فى عصر الاتحاد السوفيتى.
بالتأكيد هناك مبررات ترجح هذا السيناريو التآمرى، خاصة أن الرئيس الأمريكى ترامب ومنذ أن أتى إلى الحكم وهو يناصب الصين العداء بشكل علنى، بل شن حربا اقتصادية هى الأعنف على بكين التى تضرر اقتصادها بشكل محدود حتى الآن ولكنها بالطبع تخشى المستقبل فى ظل فرص ترامب الكبيرة المتعلقة بفوزه مجددًا بفترة رئاسية جديدة.
ورغم توصل الجانبين إلى اتفاق، إلا أن المخاوف المستقبلية لدى الطرفين مازالت موجودة، وهو ما يستند إليه أنصار السيناريو المتعلق بكون ما يحدث الآن نتاج حرب بيولوجية بين الطرفين، السيناريو الذى أستبعده من وجهة نظرى حتى تظهر دلائل تكذب قناعتى الشخصية، فبالنظر إلى طبيعة العلاقات الصينية الأمريكية بعيدا عن "الشو الإعلامى" سنجد أن الطرفين بينهما اتصال تجارى واقتصادى وحركة نقل وشحن يومية كثيفة للغاية تجعل كل جانب الجانبين يخشى مهاجمة الآخر عبر السلاح البيولوجى، لأن بطبيعة الحال وسائط نقل الفيروس بين الدولتين موجودة بكثرة.
بالتالى ليس من الذكاء أن ينتحر الاقتصاد الأمريكى عبر إطلاق الرصاص على الاقتصاد الصينى وكلاهما مرتبط بعضهم البعض، الارتباط الذى استشعر ترامب خطورتها وأراد فضه عبر إعادة الاستثمارت الأمريكية فى الصين إلى الداخل الأمريكى مجددا، وهو ما يحدث ببطء شديد رغم خطوات الرئيس الأمريكى العنيفة فى بعض الأحيان، إلا أنه فى النهاية يسلك مسار التفاوض والذى حقق للجانب الأمريكى حتى الآن انتصارات جيدة، ومن ثم لماذا تورط الصين أو أمريكا نفسيهما فى حرب بيولوجية تكبدهم المزيد من الخسائر؟!
سواء كان ما يشهده العالم هو حرب بيولوجية فقد السيطرة عليها أو رسائل سموية تهدف لإحياء إنسانيتنا، فعلينا أن نتعامل الآن مع الأعراض تاركين الجدال حول الأسباب حيث إن رفاهية الوقت منعدمة وإنقاذ الجنس البشرى من طاعون هذا العصر هو الأولوية فى ظل مخاطر تسييس هذا الفيروس بعد أن أصبح مثل كرة النار التى تقذفها الدول لبعضها فى ظل انغلاق على الذات يبدد نظريات العولمة والانفتاح التى من المفترض أنها تهدف إلى التعاون فى موجهة المخاطر التى تحيط بالبشرية، فقد أصاب هذا الفيروس الشعارات الغربية فى مقتل بعد أن أصبح كلٌّ يبحث عن النجاة من الوباء منفردا.
مشهد التكالب على شراء السلع الاستهلاكية للمواطنين حول العالم لمحاولة النجاة دون التفكير فى المسؤولية المجتمعية التى تقع على الفرد تجاه المجتمع، هو ذاته المشهد الذى نشاهده علي مستوى المجتمع الدولى، حيث تبحث الدول الكبرى بالتحديد عن النجاة، تاركة مسؤوليتها الدولية، خاصة أن نزاعاتها هى المتسببه فى زيادة عدد الفقراء والمشردين وأيضا اللاجئين الذين لم يفكر بهم أحد فقط، أردوغان يريد التخلص منهم قبل أن ينتشر بينهم الوباء وأوروبا ترفض استقبالهم والولايات المتحدة تخصص المليارات لحماية مواطنيها دون نظرة عطف لهولاء، ما يجعل العالم بصدد كارثة إنسانية أخرى ستلحق بالدول التى عصف بها الخريف العربى دون اكتراث من صانعى هذا الخراب.
الدرس الأهم من تلك الأزمة أن الدول القوية التى تتحصن بالوعى وسواعد شعبها الذى يحمى الأرض ويزرع قوته ويصنع دواءه ويدير مصانعه، هى الأوطان التى يمكنها البقاء وهكذا مصر العفية القوية القادرة على النجاة بفضل من الله وقوة وإرادة شعبها العظيم.