د.رانيا أبو الخير
وبعيدا عن رصد هذه الرؤى أو مناقشة هذه الأطروحات، يجدر بنا التأكيد على أن من أهم المنح التى أوجدتها تلك الجائحة هو ما أشارت إليه وزيرة التخطيط هالة السعيد بأن هذه الفترة، تعد فرصة لتوطين الصناعات المصرية بدلا من الاعتماد على الواردات التى انخفضت فى الفترة الحالية، وأن الدولة المصرية حققت تحسنا كبيرا فى عجز الميزان التجارى فى النصف الأول من العام.
وهنا مربط الفرس ونقطة الانطلاق الرئيسية فى كيفية تعظيم الاستفادة من تأثيرات الأزمة الايجابية لتقليل مخاطرها وتداعياتها السلبية، فكما هو معلوم أن أزمة التشغيل ستكون واحدة من أبرز التحديات التى ستواجهها مختلف بلدان العالم فيما بعد انتهاء هذه الجائحة وعودة الحياة إلى طبيعتها، وذلك وفقا لتقديرات التقارير الدولية التى تشير إلى أن حجم المتعطلين على مستوى العالم لن يكون أقل من 200 مليون فرد، وهو ما يجعل أزمة التشغيل والمتعطلين هى القضية الشائكة فى المستقبل.
والحقيقة أن كثير من الدول لجأت فى الوقت الراهن أى فى وقت الأزمة، إلى حلول عاجلة تمثلت فى تقديم الدعم والمساعدات الرسمية من الدولة وغير الرسمية من جانب مؤسسات المجتمع المدنى لمساعدة المتعطلين عن العمل لتجاوز الأزمة.
ولكن التساؤل يتعلق فيما بعد انتهاء الأزمة، حيث ستأخذ مختلف الاقتصادات وقتا ربما يصل إلى نهاية هذا العام حتى تستطيع أن تعيد جزءا من حركتها الإنتاجية والتسويقية تستطيع من خلالها استيعاب جزءا من الطاقات التى تعطلت.
ومن ثم، يصبح من الأهمية بمكان البحث عن مقاربات غير تقليدية قادرة على التعامل مع هذه الإشكالية التى ستتفاقم تداعياتها سياسيا واجتماعيا إذا ما تستطع الحكومات إيجاد حلول ناجعة للمتعطلين.
وفى هذا الخصوص تصبح الصناعة الوطنية هى الملاذ الآمن لمعالجة أزمة التشغيل والبطالة ما بعد انتهاء الجائحة، مع الأخذ فى الاعتبار أن نجاح الصناعة الوطنية فى هذا الشأن يتطلب مراعاة أمرين: الأول، إدراك الدولة لأهمية الصناعة ودورها، وهو ما يتطلب بدوره اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتشجيعها وتذليل العراقيل والمعوقات أمامها، وحسنا ما فعلته الحكومة المصرية مع إصدارها للائحة التنفيذية لقانون تيسير إجراءات منح تراخيص المنشآت الصناعية رقم 15 لسنه 2017 حيث تضمنت عدة مبادئ تلتزم بها الهيئة العامة للتنمية الصناعية فى أثناء تنظيم ممارسة الأنشطة الصناعية، هدفت من خلالها تيسير إجراءات منح التراخيص.
أما الأمر الثانى، يتعلق بادراك المواطن بأن التوظيف والتشغيل لا يعنى العمل الحكومى الذى لن يستطع استيعاب الزيادات المستمرة فى إعداد الخريجين إلى سوق العمل، بل يعنى المبادرات الفردية والعمل الخاص، وهو ما يتطلب بدوره تغيير نمط الفكر التشغيلى من الوظيفة الحكومية (الخدمية) إلى الوظيفة الإنتاجية التى تحتاج إلى تنمية مهاراته وقدراته، بما يتناسب مع المتطلبات الراهنة لسوق العمل والتى قد تشهد تغيرا ما بعد كورونا.