البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
لم يكن من قبيل المصادفة أن يواجه التعليم، خاصة فى مراحلة الأساسية، تأثيرات لجائحة كورونا التى لم تترك مجالاً إلا وقد أصيب بتداعياتها إلى الحد الذى تكاد تتأكد فيه مقولة إن عالم ما بعد كورونا لن يكون ما قبله.

وتحدث كثيرون عن أزمة كورونا رغم سلبياتها المتعددة، إلا أنها حققت مجموعة من المزايا للنظم التعليمية، إذ أكدت أهمية توظيف التكنولوجيا فى التعليم بما يسهم فى تخفيض تكاليف التعليم التى تزداد يوما بعد يوم، وفى الوقت ذاته أدت إلى إدخال تغييرات فى المناهج الدراسية وعملية التقييم، بعيدًا عن سياسات التلقين والحفظ ودفع الطلاب إلى التفاعل الإيجابى من خلال تكليفهم بإعداد الدراسات والبحوث بما ينعكس بدوره على حجم معارفهم وتنمية قدراتهم البحثية.

والحقيقة أن هذه المزايا دفعت البعض إلى المطالبة بأن يصبح النظام التعليمى الذى كان مؤقتًا فى زمن كورونا نظامًا دائمًا للتعليم، استفادة من هذه المزايا وتعظيما لها.

ولكن.. هذه النظرة رغم صحتها ظاهريًا إلا أنها تحمل سلبيات عدة، أبرزها أنها لا تحقق فلسفة العملية التعليمية، إذ أن التعليم لا يعنى مجرد السماح للطالب بالولوج إلى عالم البيانات والمعلومات والمعارف أو حتى تدريبه على بعض المهارات المطلوبة فى سوق العمل، وإن كانت هذه الأهداف رئيسية فى العملية التعليمية، إلا أن للتعليم دورا أكبر من ذلك فرديًا ومجتمعيًا.

وإذا كان التعليم أداة لإكساب المعارف والمعلومات والمهارات، فإنه فى الوقت ذاته أداة للتغيير والتجديد الثقافى نحو بناء وشحذ الروح الوطنية والإنسانية لدى المتعلم، ما لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عملية التفاعل المبدع بين الطلاب بعضهم وبعض من جانب، وبينهم وبين معلميهم من جانب آخر، بما يمكن من إنضاج شخصية سوية اجتماعيًا وإنسانيًا، من خلال تربيته على منظومة القيم المجتمعية التى تمثل مرتكزات رئيسية فى الحفاظ على المجتمع ولحمته والدولة وتماسكها.

ومن هنا نقول إن كل ذلك لن يتحقق عن طريق التعليم الإلكترونى أو التعليم عن بعد، لأن الطالب لن يستطيع أن يتفاعل مع أصدقائه وزملائه، كما أن المعلم لن يستطيع أن يمارس دوره التربوى قبل التعليمى.

وعليه، وحتى يكون الحديث متوازنًا، بحيث يراعى واقعنا التعليمى قبل الجائحة، نتفق جميعًا على أن هناك ثغرات عديدة فى نظامنا التعليمى، تتطلب معالجة جذرية سطرت فى سبيل تحقيقها العديد من الدراسات والبحوث التى طالبت بإجراء تغييرات جذرية فى إعداد المعلمين نظريًا وعمليًا، وفى كيفية جعل التعليم عملية إبداعية تفاعلية بدلاً من كونها عملية تلقينية، وفى كيفية إصلاح أنظمة تقييم الطلاب والامتحانات وغيرها.

ولكن.. لا يعنى كل ما سبق أن يتم استبدال هذا النظام التعليمى بنظام تعليم إلكترونى أو عن بعد، سعيًا لحصد المزايا متجاهلين المخاطر والسلبيات.

ومن ثم، فإصلاح العملية التعليمية يجب أن يراعى مزايا وسلبيات كل نظام بحيث يكون التعليم الإلكترونى مكملاً للإصلاحات المطلوبة فى النظم التعليمية التى عفا عليها الزمن، وأضحت نظم بالية تحتاج إلى تغييرات جوهرية تعيد للتعليم فلسفته، وتحقق أهدافه فى بناء إنسان قادر على قراءة تحديات الحاضر والتفاعل مع متطلبات المستقبل، وإلا خرجنا من نفق مظلم إلى نفق أكثر ظلامًا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز