د.رانيا أبو الخير
ومن أبرز ما طُرح فى هذا الخصوص فكرة المصانع الزراعية ولا يقصد بها المصانع التى تعتمد على المنتجات الزراعية، وإنما يقصد بها الزراعة الصناعية التى تتم باستخدام الآلات المميكنة، وهى فكرة برزت داخل بعض الدول مثل اليابان واسكتلندا فى كيفية توفير احتياجات شعوبها من الأغذية الزراعية والفواكة بدلا من الاعتماد على الاستيراد، حيث يتم إنشاء مصانع للزراعة والتحكم بداخلها فى درجات الحرارة والظروف المناخية، لزراعة محاصيل محددة لم يكن فى الإمكان زراعتها فى نفس الدولة فى مزارع خارجية.
والحقيقة أن ما يلفت الانتباه فى هذه الفكرة، التى نشرت عنها قناة "بى بى سى" تقريرًا، أنها فكرة غير تقليدية يمكن التوجه إليها كبديل فى حالة الأزمات بل ربما فى حالات أخرى، لضمان توفير الاحتياجات الغذائية الرئيسية للشعوب.. صحيح أن ثمة صعوبات تواجه تطبيق مثل هذه الأفكار فى كثير من الدول النامية فى القارتين الإفريقية وأمريكا اللاتينة، سواء بسبب عدم توافر التكنولوجيا المطلوبة من آلات ومعدات وخبرات تقنية، أو بسبب عدم احتياجاتهم لمثل هذه الزراعة مع توافر المساحات الخضراء والمياه.
ولكن ثمة صعوبة رئيسية تواجه الدول المتقدمة فى تطبيق مثل هذا النوع من الزراعة، تتعلق بمدى توافر المساحات المطلوبة داخل المدن لتطبيقها، فعلى سبيل المثال هل من الممكن تطبيق هذه الفكرة فى مدينة باريس بفرنسا أو برلين بألمانيا وغيرها، نظرا لعدم توافر المساحات المطلوبة لإقامة هذه المصانع الزراعية، وهو ما دفع أنصار هذه الفكرة إلى طرح إمكانية إقامة هذه المصانع الزراعية تحت الأرض كون أن هذه المساحات غير مستغلة، مثل مواقف السيارات وغيرها.
والواقع أنه رغم جاذبية هذه الفكرة المتعلقة بتحقيق الأمن الغذائى، بما قد يدفع كثير من دول العالم المتقدم لتنفيذها مع توافر القدرات العلمية والإمكانات التكنولوجية والخبرات العملية، إلا أنه من المهم أن ندرك سويًا أن ما يناسب تطبيقه فى بعض الدول، قد لا يتناسب مع مناطق أخرى من العالم، ولذا فمثل هذه الفكرة التى يحاول البعض ترويجها فى بلدنا لتوفير احتياجاتنا من بعض أنواع من الزراعات مثل القمح والشعير، أرى أنها أفكار غير جديرة بالتطبيق، فى ظل المساحات الشاسعة غير المستغلة التى تمتلكها الدول العربية والتى يمكن أن تتحول إلى مزارع متنوعة الإنتاج، هذا فضلا عن الرؤية المتعلقة بأهمية التكامل الاقتصادى فى المنطقة العربية والاعتماد المتبادل فيما بين دولها، بما قد يوفر المزيد من متطلبات المعيشة لكافة مواطنيها.
نهاية القول.. إن التوجه نحو المستقبل يتطلب بالفعل البحث عن أفكار ورؤى غير تقليدية إلا أن نجاحها يتوقف على مدى ملاءمتها للواقع الذى تطبق فيه؛ حتى لا نكرر كثيرًا من تجارب فاشلة، أخفقت فى تحقيق التنمية المستهدفة، حينما لم ندرك الفروق الجوهرية بين واقعنا وواقع دول أخرى تختلف عنا فى كثير من الظروف والعوامل والاحتياجات، تلك هى نقطة الانطلاق الأولى فى نجاح التنمية فى بلادنا.