د.رانيا أبو الخير
ومن دون الدخول فى كثير من التفاصيل حول المسؤولية الجنائية والسياسية والقانونية التى تتحملها الأطراف المختلفة، سواء ثبت ذلك بالتحقيقات التى يطالب بها الجميع أو ظلت معلقة كغيرها من المسؤوليات التى لا تزال تبحث عمن يتحملها مع كل فاجعة عاشتها ولا تزال تعيشها باريس الشرق لبنان عروس المتوسط، فإن ما يهم فى هذه الحادثة بل الفاجعة الأليمة تسجيل ثلاث ملاحظات مهمة، بعضها يكشف عن وقائع راهنة، وبعضها يعطى دلالات لما جرى، وبعضها يقدم رؤية للمستقبل.
الملاحظة الأولى والمتعلقة بالوقائع الراهنة، هو أن الوضع فى لبنان لم يكن من المتصور أن يستمر على ما هو عليه فى ظل انغماسها فى حالة الاستقطاب الدولى والإقليمى المتسعة بين أطراف سعت جميعها إلى توظيف اللبنانيين بطوائفها الحاكمة والمتنفذة من أجل تحقيق مصالحها على حساب مصالح هذه الطوائف ومن تمثلهم.. ومن ثم فمن يقرأ الصورة هناك بوضوح يكتشف أن لبنان مرآة عاكسة لصراعات هذه الأطراف ومصالحها وتجاذباتها، وهذا الواقع يؤكد أن رهان استمراره أمر من الصعوبة بمكان مع تزايد وتيرة الصراعات بين هذه الأطراف، فكان الانفجار أمرًا حتميًا، ولكن لم يكن متوقعًا بهذه الصورة اللانسانية.
أما الملاحظة الثانية والمتعلقة بدلالة ما جرى، فإن ما حدث ربما أن ثمة تسريبات تشير إلى وجود تحذيرات سابقة عن إمكانية وقوع مثل هذه الحادثة إلا أنها تظل مجرد تسريبات لا توجد أدلة على صحتها وصدقيتها.. ومن ثم فدلالة ما جرى يمكن قراءتها إذا ما استطاعت الأيام المقبلة أن تكشف عن بعض التفاصيل المرتبطة بالحادث وأسبابه ودوافعه.
ولحين التوصل إلى بعض هذه المعلومات، يظل أمامنا مهمة قراءة ردود الفعل المتباينة داخليًا وخارجيًا حتى ترتسم أمامنا صورة لما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع فى لبنان المستقبل إن ظل قادرًا على الاحتفاظ على وحدته وتماسكه .. وهنا نتنقل إلى الملاحظة الثالثة المتعلقة بمستقبل الدولة اللبنانية.
هل يمكن أن يكون لدينا تصورا لما يمكن أن تصبح عليه لبنان فى قادم الأيام؟ هل ما جاء به الرئيس الفرنسى ماكرون صالحًا؟ فكما نعلم أنه جاء فى زيارة استعراضية، طالب فيها الجميع بالمحاسبة التى وصلت إلى حد اعتقد البعض أن عودة الانتداب أصبحت قاب قوسين أو أدنى إلى الدولة اللبنانية فى ظل بعض المناشدات التى ترافقت مع الزيارة، هل تملك فرنسا مبادرة سياسية إصلاحية للدولة اللبنانية؟ وإذا كان لديها هذه المبادرة.. فهل يمكن أن تكون مناسبة فى هذه اللحظات أم أنها مجرد ذر للرماد فى العيون؟ وما هو مواقف الدول العربية الفاعلة، وتحديدًا السعودية ومصر، فى هذا المضمار؟
هنا نركز على الموقف المصرى الأخير الذى شهد حضورًا ملفتًا للانتباه فى لبنان، حظى بقبول داخلى لبنانى وعربى بل وعالمى.. ولكن هل يسمح لمصر بلعب دور أكبر فى معالجة الأزمة اللبنانية؟ وهذا هو مربط الفرس فى هذا المضمار، أن الدور المصرى فى لبنان قد يكون دورًا مقبولاً فى هذه الأزمة تحديدًا، بل يمكن أن تلعب مصر دورًا مهمًا فى لملمة الموقف اللبنانى وتجسير الفجوات المتزايدة فى رقعة جسده السياسى، نظرًا لأمرين:
الأول، طبيعة السياسة المصرية المتسمة بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، وحرصها الدائم على الوقوف على مسافات واحدة من الأطراف المتصارعة على أمل أن يكون دورها حياديًا ومحايدًا ومقبولاً لدى الكافة.
الثانى، يتعلق بما يمكن أن تقدمه مصر من رؤية بحكم خبراتها الواسعة فى كثير من مثل هذه الأزمات، إذ أن الدبلوماسية المصرية ذات خبرات متميزة يمكن أن تقدم مقاربات جديدة للأزمة اللبنانية تسهم فى حلحلة أبعادها وتحاول أن تضعها على طريق العودة إلى مسار الدولة الوطنية، بعيدًا عن رؤى التقسيم والتجزئة انطلاقًا من سياسة مصر القائمة على الحفاظ على الدولة الوطنية فى لحمتها المتماسكة.
الرهان على مصر هو الأكثر ربحًا للشعب اللبنانى ودولته.. فهل يدرك لبنان ذلك؟