د.رانيا أبو الخير
فكل من يحمل جهاز محمول متصل بشبكة الانترنت، وكل من لديه حسابا على أحد وسائل التواصل الإلكترونية يتابع سيل كبير من الأخبار والبيانات والمعلومات، ويقوم بنقلها وإعادة نشرها، ليصبح مساهما فى توزيعها على نطاق أوسع، دون أن يتقصى حقيقتها أو يعرف مصدرها أو يحلل صحتها أو يقف على مدى خطورتها أو يكشف عن جوهرها وهدفها.
بل يعتبر الكثيرون أن ما يتم تداوله من أخبار وبيانات ومعلومات أنها صحيحة مائة فى المائة، ويبدأ فى التعامل معها وبناء قراراته أو انطباعاته أو تصوراته عليها وكأنها حقائق مؤكدة.
وهنا مكمن الخطورة فيما يقوم به الشخص، وخاصة المنتمين إلى فئات الشباب كونهم الأكثر استخداما لهذه الوسائل، والأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا المتقدمة، فيصبح هذا الشباب حلقة فى مسلسل نقل الأخبار والبيانات ربما فى كثير من الحالات تكون مضللة أو كاذبة أو هادمة للدول، ويأتى ذلك نتيجة لضعف ما نطلق عليه المناعة المعرفية.
فكما أن جسم الانسان لديه جهاز مناعى حينما يهاجمه ميكروب، أو فيروس يستعد إلى مواجهته بما يملكه من قدرات وإمكانات، وكلما كان الجهاز المناعى قوى كلما كان صاحبه قادرا على مواجهة خطر هذا الفيروس، ولعل ما يجرى حاليا بالنسبة لفيروس كورونا دليلا على ما سبق قوله.
الأمر ذاته بالنسبة لما يواجه الإنسان من أفكار ومعلومات وبيانات تخاطب العقل، يحتاج هو الآخر إلى جهاز مناعى، يفرز تلك الأفكار أو الأخبار أو المعلومات، لمعرفة الغث منها والثمين، وهو ما يطلق عليه الأمن الفكرى.
ولكى يتحقق ذلك لابد أن يكون لدى هذا الفرد مناعة معرفية، بما يجرى حوله من أحداث، وما تواجهه دولته من مخاطر وتحديات، وإلا كان فريسة سهلة لما يستهدفه المغرضون وأصحاب الأجندات والمصالح بشائعات مضللة وأخبار كاذبة وأقوال خاطئة، ليتحول هذا الفرد من شخص نافع لوطنه مدافعا عن ترابه ومقدرا ما يبذل فى سبيل النهوض به إلى شخص معاد لوطنه، هادما لتقدمه، مضيعا لقدراته وإمكاناته.
ولذا، فإن الخطاب المهم اليوم للشباب أن يعى جيدا ما يدور حوله من مخططات تستهدف وطنه ومنطقته، وأن يعى أيضا التحديات الداخلية والخارجية، التى تحيق بأمنه وأمن أسرته، كما عليه أيضا أن يقرأ جيدا ملفاته الوطنية التى نجحت دولته فى تحقيقها، وأن يستمع إلى ما ينشر ويذاع فى المصادر الرئيسية، التى تمتلك حقيقة المعلومة وصحيح البيان، حتى لا يضلل فكره وينحرف تفكيره.
ملخص القول إن المناعة المعرفية كما هى المناعة الجسدية تحتاج إلى تغذية صحيحة من الأخبار والمعلومات من مصادرها الموثوقة، وإلا أصبحت مناعة ضعيفة هزيلة يفقدها الشخص عند أول اختبار فى مواجهة شائعات تنتشر كالنار فى الهشيم، وهذه هى المسؤولية الشخصية للفرد ذاته فى حرصه على الحصول على المعلومات والبيانات من مصادرها، دون الاستماع إلى الشائعات التى تبثها المصادر التى تعادى الوطن وتستهدف أمنه واستقراره، تلك هى المسؤولية الأولى لدى الشخص إذا كان يود أن يختبر انتماءه لوطنه وحبه له.