د.رانيا أبو الخير
ولعل ما جرى فى فرنسا مؤخرًا مع تشكيل الحكومة الجديدة قبل أكثر من شهرين، وتولى جيراليد دارمانين المعروف بمواقفه الحاسمة من الفكر المتطرف حقيبة وزارة الداخلية، وقيامه بإعادة فتح ملف الإخوان والتيارات المتطرفة داخل فرنسا ليلقى مزيد من الضوء على تزايد القلق الرسمى والشعبى من نشاط التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية داخل البلاد، حيث توالت التحذيرات لتقدم السلطات الفرنسية على إجراءات متصاعدة لقطع لطريق أمام خطط التنظيم الدولى المشبوهة، وهو الأمر ذاته الذى أولته اهتماما بريطانيا من خلال مطالبة بعض أعضاء البرلمان البريطانى، وعددا من المنظمات بوقف دعم جماعة الإخوان فى المملكة المتحدة، حيث إنهم يجمعون التبرعات لتمويل أنشطة إرهابية، ومن بين هؤلاء الأعضاء إيان بيزلى الذى أكد على أن جماعة الإخوان لديها أنشطة غير قانونية، كما أنها تستغل مواقع التواصل الاجتماعى لنشر الكراهية والتطرف.
والحقيقة أن ما جرى فى كل من بريطانيا وفرنسا خلال الأيام الماضية يدق جرس الإنذار فى بقية الدول الأوروبية التى تفتح ساحاتها للجماعة الإرهابية، واتباعها لاستغلال مساحة الحريات الممنوحة فى هذه الدول لنشر أفكارهم واستكمال خططهم التدميرية، بما يستوجب التنبيه بأمرين مهمين:
الأول: أن حضانة الإرهاب ودعمه لن تهدد الآخرين فحسب، وإنما سينقلب السحر على الساحر ويهدد أمنك واستقرارك وأمان شعبك بل وحضارتك، إذ إن الإرهاب لا يؤمن بالآخر المختلف بقدر ما يستغل الظروف والأوضاع لتمكين نفسه وترسيخ جذوره لتنفيذ مخططاته، ولعل ما تعرضت له بعض الدول الأوروبية من جرائم وهجمات إرهابية ليمثل دليلا دامغا على صحة هذا القول.
الثانى: أن تجفيف المنابع والمصادر هى نقطة الانطلاق الأولى فى مواجهة التطرف والإرهاب.
صحيح أن الأداة الأمنية تلعب دورا مهما فى كيفية مواجهة الإرهاب وتنظيماته، وصحيح أيضا أن تصحيح الأفكار والمفاهيم عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية والتربوية تلعب دورًا مهمًا فى سياسة المواجهة، إلا أنه من الصحيح أن الأداة الأكثر فعالية هى تجفيف المنابع.
وكى تحقق هذه الأداة فعاليتها ودورها يجب أن تشمل عملية تجفيف المنابع الجانين: المالى والبشرى معا، وهو ما يتوافر لهذه الجماعة فى الدول الأوروبية كما كان الأمر سابقا فى بعض دول الخليج العربى مع الثراء النفطى الذى تحقق فى سبعينات القرن الماضى.
فاليوم توفر بعض الدول الأوروبية الدعم المالى الوفير، إلى جانب المورد البشرى المتمثل فى الجاليات العربية والإسلامية الموجودة فى هذه الدول، فهى بمثابة الكوادر التى يسهل تجنيدها وتوظيفها، فضلًا عن المنصات الإعلامية التى يطل منها رؤوس الإرهاب ورموزه فتبث دعواتها الباطلة إلى الدول المستهدفة كما هو فى الدعوات التى تبث بين الحين والآخر من اتباع هذه الجماعة ضد الدولة المصرية وشعبها ومؤسساتها، حقدا على ما حققته الدولة ما بعد ثورة الثلاثين من يونيو 2013 وتولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الحكم لينطلق فى بناء دولة عصرية قادرة على الصمود فى مواجهة هذه التنظيمات والقضاء على خطرها وتهديداتها.
خلاصة القول، إن الدور المهم الذى يجب أن تلعبه الدول الأوروبية التى تحتضن على أراضيها مثل هذه التنظيمات وعناصرها، أولا عليها أن تدرك جيدا خطر وجود مثل هذه الجماعات، وثانيا تجفيف منابع دعمها ماليا وبشريا وإلا أصبحت عرضة لتهديداتها، فلن تستمر هذه الدول مجرد منصات لإطلاق خطر هذه الجماعات على الدول المجاورة، بل سيطال الخطر والتهديد الجميع معا، وهذا هو جرس إنذار إلى الدول الأوروبية قبل فوات الآوان.