جمال رائف
لم يكن ظهور ترامب كظاهرة سياسية غير نمطية منذ 4 سنوات على الساحة الأمريكية أمر يجب أن يمر مرور الكرام، بل كان ناقوس خطر، أن هناك وهنًا ما أصاب الديمقراطية الكلاسيكية.
فهذا الرجل صاحب الخطاب الشعبوى المدعوم من المحافظين الجدد واليمين المتطرف، كسر قواعد اللعبة السياسية الأمريكية، وأخل بموازين القوى داخل دوائر صنع القرار الأمريكى التى لم تستوعب النمط الترامبوى فى الحكم، لهذا كانت الإقالات أسرع قرارت ترامب بوجه الساسة التقلديين، وبالفعل استطاع صنع دوائره السياسية والأمنية، وأيضا الاقتصادية الخاصة لمقاومة الدولة الأمريكية العميقة، سعيا نحو مرحلة جديدة من الحكم يستمر خلالها فى سياسيته التى ظلت مسار جدل.
لم يتوقع ترامب مثله مثل الكثير من المراقبين والمتابعين خسارته فى الانتخابات الأمريكية، خاصة أنه نادرًا ما يخسر رئيس أمريكى الانتخابات وهو على أعتاب فترته الرئاسية الثانية، ولكنه ربما استشعر الخطر أثناء جولاته الانتخابية، مما دفعه لتوجيه خطاب مباشر لأحد التجمعات اليمينية المتطرفة، والأكثر عنفا، وهى "براود بوايز"، وقال حينها: اتخذوا خطوة للخلف واستعدوا، تلك الجماعة التى نشأت عام 2016 بهدف مجابهة التيارات اليسارية المتطرفة، وعلى رأسها جماعة "انتيفا"، التى انتهى شهر العسل بينها وبين ترامب، واشتعل غضبها بعد أن قرر تصنيفها جماعة إرهابية، عقب قيادتها لأعمال الشغب التى تبعت مقتل المواطن الأمريكى صاحب البشرة السمراء "جورج فلويد"، لتلتقى الجماعتين الآن فى الشارع، ومعمهم التجمعات الأخرى اليمينية أو اليسارية المتطرفة، بعد أن انتقلت الديمقراطية الأمريكية من الصناديق إلى الساحات والشوارع.
وعزز هذا رفض ترامب الاعتراف بالهزيمة، بل أعلن أنه الفائز، الأمر الذى يزيد الوضع الراهن تعقيدًا، ويحفز التيارات اليمنية والمحافظة على النزول إلى الشارع لتأييده بالطبع بمباركة من ترامب الذى يمنع فريق بايدن من دخول البيت الأبيض، استعداد لانتقال السلطة، كما أنه يحدث تغيرات لمناصب رفيعة فى أماكن مفصلية بالدولة الأمريكية فى الوقت الذى مازال يتحدث فيه عن الفوز، وكأنه يسلك مسارا آخر للاحتفاظ بالسلطة، غير الذى رسخت له الديمقراطية الأمريكية التى هى الآن على المحك وتتعرض لأقوى الاختبارت.
إذا استمرت الأوضاع هكذا، سيكون القادم صداما بين التيارات المتطرفة من اليمين واليسار، والتى صنعت لهم مؤخرا فى الداخل الأمريكى جماعات ترتقى لفكرة الميليشات المسلحة، وباتت تمارس العنف بشكل معلن وفى وضح النهار تحت ستار حرية التعبير، لينتقل الصراع السياسى من ساحة النخب والأحزاب ومسار الانتخابات إلى صراع الغاب وحروب الشوارع التى ترفع شعار البقاء للأقوى، وهنا سيصبح الحديث عن مراجعة نمط الممارسة الديمقراطية الأمريكية أمر حتمى، خاصة أنها أتاحت الفوضى حتى حينما صدرت ديمقراطيتها لدول الشرق الأوسط.. فهل تعبر الولايات المتحدة الأمريكية المنعطف الذى عصف بديمقراطيتها؟!
أعتقد ذلك، ولكن بعد تحدث منها لمواكبة المتغيرات الجديدة، وأيضا تقلم أظافر التطرف الذى اتخذ من ستار الحريات مجالا لممارسة العنف لتصبح الحرية المتطرفة إرهابًا جديدًا يحاكى الإرهاب الذى تستر بالدين.
وبين هذا وذاك الإنسانية بريئة من التطرف والإرهاب، تلك الأدوات التى استخدمت كمحركات للأحداث السياسية فى مختلف دول العالم، ولكنها الآن تهدد وبشكل مباشر القوى العالمية الكبرى والتى لا نتمنى لها الانكسار، فمازال العالم فى حاجة لتوازن قوى بين أقطابه الدولية.