البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
إذا كان أبى أحمد قادر على بدء الحرب فأنه لا يمتلك القدرة على إنهائها، فقد أيقظ الصراع الإثنى الذى عانت منه إثيوبيا على مدار تاريخها، وأسفر عن تقليص مساحتها على مر الزمان، فى حين لم تفلح وعوده البراقة أو حزبه الوليد فى تخدير الرغبات الانفصالية التى أججت الصراع، وأزمت الوضع فى الداخل الإثيوبى.

شعوب إثيوبيا، والتى تنتمى لإثنيات وقوميات مختلفة فى تناحر دائم عبر التاريخ فما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، ولكنها سمة غالبة على طبيعة تلك الدولة الفيدرالية التى ينص دستورها على حق تقرير المصير لأى من أقاليمها المُختلفة، ولكنه الدستور الذى كان يعلوه قبضة الجبهة الديمقراطية الثورية، والتى كانت تحكم بقبضة حديدية منذ تسعينيات القرن الماضى، إلا أنها ضعفت وظهر عليها الوهن عقب المظاهرات الإثيوبية التى أطاحت بحكومة رئيس الوزراء السابق، مريام هيلاديسالين، لتطرح الجبهة ورقتها الأخيرة متمثلة فى أبى أحمد الذى تظاهر برغبته فى إحداث سلام مجتمعى وأيضًا إقليمى، وذهب لتهدئة الأوضاع المتوترة مع دول الجوار الإثيوبى طمعًا فى التفرغ للداخل وإحكام السيطرة، مستدعيًا روح منجستو أو ميلس زناوى الحكام الأقوياء الذين استطاعو الحكم لفترات طويلة.

لكن أبى أحمد حاول تغيير سمة الدولة الإثيوبية التى تقوم على أساس توافقى بين إثنياتها المختلفة إلى دولة ذات هوية وطنية فى محاولة لتحقيق عملية اندماج وطنى يتناقض مع الطبيعة الديمغرافية الإثيوبية، وهو ما أشعل الصراع الذى تفاقم مع تدشين حزب الازدهار كبديل سياسى للجبهة الحاكمة، والسعى لتعديل الدستور فى محاولة لتوجيه مسار النظام السياسى فى إثيوبيا من الفيدرالية إلى المركزية.

الاندماج الوطنى يجب أن يكون طوعى وبرغبه شعبية وتزداد فرص حدوثه كلما تقلصت الفوارق القبلية والإثنية والعقائدية بين الشعب الواحد، وهو ما يتناقض مع الطبيعة الإثيوبية، والتى يجب احترامها من قبل السلطة الحاكمة بل والحفاظ على نمط الدولة الذى يقر بهذه التعددية دون المساس بها.

وهنا بيت القصيد فرئيس الوزراء الإثيوبى يريد إحداث اندماج وطنى قصرى بقوة السلاح والقمع، وهو ما يُعد ظاهرة سياسية نادرة الحدوث، خاصة أن حالة الاندماج الوطنى هى نتاج تاريخى وديموغرافى للدولة يدعمه حوار مجتمعى تظاهر رئيس الوزراء الإثيبوبى بتحقيقه، بينما انفجرت الأوضاع فى إقليم أوروميا، ومن بعدها تجراى بالتوازى مع اغتيالات واعتقالات داخل صفوف الجيش الفيدرالى فى ظل محاولات انقلاب متعددة.

وبالتالى مآلات الوضع الرهان، والذى تصاعد بعد رفض إقليم تجراى الاستجابة لقرار حكومة أديس أبابا بتأجيل الانتخابات بحجة كورونا، وما ترتب عليه من حرب طاحنة قائمة بين الجبهة الشعبية لتحرير تجراى بزعامة دبرصيون جبرمكئيل، والحكومة الفيدرالية تنذر بتفتت الداخل الإثيوبى، وتكرار سيناريو انفصال أريتريا، لكن هذه المرة ربما ستشهد القارة الإفريقة ولادة عدة دول إفريقية جديدة إن لم تتوقف الحرب التى أشعلها أبى أحمد، وتورط فيها ولن يقدر على إيقافها، خاصة فى ظل ردة الفعل الدولية التى حملته مسؤلية اشتعال الأوضاع.

وبالتالى.. نحن بصدد عدة سيناريوهات مستقبلية للأزمة من أهمها استقالة أبى أحمد لتحافظ نُخب الدولة العميقة فى إثيوبيا على مواقعها بغية ترتيب الصفوف مُجددًا، وهنا من الممكن الاستعانة بالمعارض جوهر محمد، كأحد الأوراق الرابحة لامتصاص الغضب الشعبى، وتحقيق الانتقام السياسى من أبى أحمد، لكنها مُغامرة كبيرة قد تخشى منها دوائر القرار الإثيوبى المختلفة.

هناك سيناريو آخر يتعلق باستمرار الحرب التى من المؤكد أنها ستحفز أقاليم أخرى على أحياء نزاعتها الانفصالية، وهنا الحديث عن توتر ليس فقط سيضر الداخل الإثيوبى بل سيمتد للمحيط الإقليمى، بالطبع هناك مآلات كثيرة للصراع الإثيوبى القائم جميعها تتفق على أضعاف الدولة الإثيوبية، وتهديد السلم والأمن الإقليمى، وبالتالى التدخل هنا من قبل الاتحاد الإفريقى، واستخدام أدواته خاصة المتعلقة بمجلس السلم والأمن أمر أصبح ضرورة حتمية حفاظًا على استقرار منطقة القرن الإفريقى.

رئيس الوزراء الإثيوبى، أبى أحمد، والذى اختار توقيت المعركة فى ظل انشغال أمريكى بالانتخابات الرئاسية هناك، كان يظن أن المعركة ستنتهى بشكل سريع، لكن الآن التفتت الأنظار الأمريكية مُجددًا للوضع الحادث فى تجراى، ما دفع وزير الخارجية الأمريكى للتحذير من خطورة الموقف، وحث أبى أحمد على إيقاف الاقتتال الداخلى، الأمر الذى تبعته بيانات للحكومة الإثيوبية تُعلن وقف الحرب، لكنها تظل مجرد بيانات بينما الوضع على الأرض يُنذر بما هو أخطر إن لم يكن هناك موقف إقليمى ودولى قوى عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقى حفاظًا على أمن واستقرار منطقة القرن الإفريقى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز