بين أزقة منطقة "المنشية الصغرى" العريقة، وحيث تفوح رائحة التاريخ من مجاورة "سور المغاربة" القديم، وقفت كاميرا "مبتدا" لترصد عظمة واحد من أهم المعالم الدينية والأثرية في عروس البحر المتوسط. إنه مسجد "الشيخ إبراهيم باشا"، الذي لا يمثل مجرد مكان للصلاة، بل هو حكاية نادرة من التراث المعماري والنظام الاجتماعي المستدام الذي صمد لقرون.
تأسس هذا الصرح العظيم على يد العالم الجليل الشيخ إبراهيم باشا، وهو عالم ذو أصول جزائرية استقر في الإسكندرية، تاركاً وراءه هذا الأثر الذي يدمج بين الروحانية وفنون العمارة الإسلامية.
ما يجعل مسجد الشيخ إبراهيم باشا حالة استثنائية هو تصنيفه ضمن "المساجد التاريخية المعلقة"، هذا الطراز المعماري المختلف يتجلى في تكوين المسجد من طابقين.
فبدلاً من أن يرتكز صحن المسجد مباشرة على الأرض، يستند الطابق العلوي المخصص للصلاة (كما تظهره الصور الداخلية المليئة بالسكينة والجمال) على طبقة سفلية عبارة عن مجموعة من "الحوانيت" (المحلات التجارية).
هذا التصميم الذكي لم يكن عبثياً، بل جسد نظام "الوقف" الإسلامي في أبهى صوره، فريع وإيجارات هذه الحوانيت السفلية كانت تُخصص بالكامل للصرف على أعمال الصيانة المستمرة للمسجد، وتوفير كافة احتياجاته من فرش، وإنارة، ورواتب للقائمين عليه، مما ضمن بقاء المسجد شامخاً ومفتوحاً للأهل الإسكندرية وزائريها دون انقطاع.
ترصد الصور التي التقطتها عدسة "مبتدا" التفاصيل الدقيقة لهذا المعلم، بدءاً من مدخله المهيب، مروراً بالأروقة الداخلية المزينة بنقوش وزخارف إسلامية بديعة تعكس رقي الذوق الفني في الحقبة التي بُني فيها.
كما تظهر اللوحات التذكارية الخشبية المثبتة داخل أروقته، والتي تحمل عبارات الترحيب والتعريف بالمسجد، مما يزيد من هيبة المكان وروحانيته.
وبزيارة مسجد الشيخ إبراهيم باشا، لا يؤدي المصلي فرضه فحسب، بل يرحل عبر الزمن مستحضراً قصص العلماء والصناع وتاريخ الإسكندرية العريق الذي يتجسد في كل حجر من أحجار هذا المسجد "المعلق" في سماء التاريخ والشعور بالسكينة.