ميسى
مباراة ودية كان من المقرر إقامتها كمحطة تأهيلية أخيرة للأرجنتينيين قبل مونديال روسيا، بالقطع لم تخل من انتهازية السياسة الإسرائيلية، إذ تدخل رئيس وزراء الدولة العبرية، بنيامين نتنياهو، بنفسه، لنقل الموقعة من حيفا إلى القدس.
استجاب ميسى ووالده وباقى فرقة راقصى وسحرة التانجو، كل ما كان يفكر فيه أسطورة برشلونة الفذ، هو الحصول على البركة، وفك النحس.

طالما وقف ميسى فى مشاهد داعمة لتل أبيب، على الأرجح تتدخل شركات الإعلانات والرعاة مدفوعين بوساطات سياسية فى الأمر، لكن هذه المرة الأمر شخصى بحت، وعليه يبدو ميسى أكثر المصدومين من قرار إلغاء المباراة على خلفية الغضب الشعبى العالمى والمخاوف الأمنية الجامة التى أحيطت بها.
الحكاية وما فيها أن ميسى يريد فك عقدة الملهم الأرجنتينى التاريخى، دييجو أرماندو مارادونا، ولم يحقق مارادونا لقب كوبا أمريكا مطلقًا، بل لم يحقق "مثلما فعل ميسى" كل تلك الأرقام القياسية المتعلقة بمرات الفوز بالدورى وبطولة أوروبا مع أحد أندية القارة العجوز العريقة، فضلًا عن حصيلة الأهداف الخارقة التى لا حصر لها، لكنه حقق ما هو أغلى: كأس العالم.

ميسى فشل فى ذلك غير مرة، وفى آخر المناسبات العالمية الكبرى، قبل عامين، عاد ليخسر كوبا أمريكا للمرة الثالثة فى تاريخه، والثانية على التوالى، بيد أن الأخيرة بدت صعبة للغاية، بعدما كان النجم الفذ أحد من أهدر ضربات الجزاء من جانب التانجو الأرجنتينى لتذهب الدرع الغالية والأقدم قاريًا مجددًا إلى أحضان تشيلى.
فى تلك اللحظة سجل العالم انهمارا تاريخيا ومفاجئا لدموع ميسى التى بالكاد شاهدها أحد من قبل، فى غمرة انتصاراته التى لا تنتهى على مستوى اللعب مع برشلونة.

يشعر بضغط نفسى مهول، يحمله كثيرون خطايا غيره، الأرجنتين لم تزق طعم انتصار كبير للمنتخب بأى بطولة منذ العام 1995، و23 عامًا من الصيام، إبهار وسحر ميسى مع برشلونة نادر جدًا مع التانجو، فهل هو السبب وحده؟
على الأرجح، لا يدين ليونيل نفسه، غير أنه يعيش فعليًا كابوسًا لا ينتهى، حينما لا يتمكن من تحقيق آمال المشجعين المتعلقين بأقدامه، فيما أن أحدًا منهم لا يطلب من أى زميل له آخر الطلب ذاته، فليس أمامه سوى أن يسقط فى فخ العقدة.
مارادونا 86، عقدة لميسى، حقق الإبهار وانتزع أكاليل الغار والكأس الذهبية، لكن الناس تنسى أن بجانب دييجو ساعتها كانت هناك كتيبة مبهرة من اللاعبين، من أمثال بروتشاجا وباتيستا وفلدانو، ساهموا فى تهيئة المسرح لعروضه الساحرة، بل حتى لسرقاته المحرمة باسم يد الله، لا يتوافر مثل هؤلاء ولا حتى أشباح لهم فى زمن ليونيل الأخير، ودومًا مع راقصى التانجو لا يجد شريكًا حاضرًا فى الموعد فى أى من رقصاته الجنونية.
ويشهد القاصى والدانى فى مختلف أرجاء المعمورة، على تحول ليونيل فى حد ذاته إلى مشروع كروى ضخم مستقل، ربما لا يقل فى الشهرة والمتابعة وارتباط العوائد الاقتصادية والاستثمارية به، عن كأس العالم ودورى أبطال أوروبا وغيرهما من النزالات الكروية الكبرى.

منذ سنوات يجمع الكل على أن الأرجنتينى الفذ قد صار أسطورة، إلا شخصا واحدا لا يرى ذلك، هو ليو نفسه، فطالما قال "كى تصبح أسطورة يجب أيضًا أن تفوز بكأس العالم"، رددها بحسم وتواضع كبيرين غير مرة، ليضع الفتى المدلل لجماهير وعشاق البارسا بتلك الكلمات البليغة حدًا لسيل الألقاب وعبارات الإطراء التى انهالت عليه ولا تزال بعد نجاحه فى إحراز كل ألقاب الأرض على مستوى الأندية إلا البطولة الأغلى ونظيرتها القارية مع التانجو، فضلًا عن كأس العالم للقارات.
ميسى نال مع بلاده كأس العالم تحت 20 عامًا سنة 2005، وذهبية أولمبياد بكين بعدها بثلاث سنوات، لكنه لم يتوج بكأس العالم ولا الكأس القارية العريقة، تلك هى عقدة ليو.
ذلك ربما سر عدم رغبة ميسى فى الانزلاق إلى مستنقع المقارنات والتحزب بينه وبين مارادونا، رافضًا كل ما يتردد حول أنه وصل إلى نجومية الأسطورة الشهير عندما كان لاعبًا: "حتى بعد مليون سنة لن أقترب من نجومية مارادونا، ولا أركز فى ذلك، إنه الأعظم فى كل وقت"، "لا أقارن نفسى بمارادونا، أريد أن أصنع تاريخا خاصا بى".

اليوم وبعد كل هذا الضغط النفسى قرر سلوك طريق العرافات والتفاؤل وضرب الودع، قرر السير على نهج مارادونا ليس فى الملعب، ولكن فى البحث عن تمائم الحظ.
مارادونا وباقى كتيبة التانجو توجهوا إلى إسرائيل قبل نسختى كأس العالم عام 1986 و1990، فتوج بالأولى وحل وصيفًا فى الثانية.
ميسى ووالده قررا فك العقد بالتطبيع والذهاب إلى القدس المحتلة، لكن ما جرى فى زمن مارادونا لا ينفع حاليًا، فخاب رجاء نجم البارسا، وربما يخيب إلى نهاية مسيرته الكروية دون أن يحمل الكأس الذهبية يومًا بين يديه.