أوباما ومرسى وكارتر
ومضى القيادى يثنى على دور المنظمات فى مراقبة الانتخابات ومساعدة مرشح الإخوان محمد مرسى فى عرض برنامجه على الجمعيات الأهلية، مؤكدًا دعم الإخوان لهذه الجمعيات وحريتها فى تلقى تمويلاتها، وأن مرسى ينوى إصدار قانون للجمعيات الأهلية يرفع عنها وصاية الحكومة، ليكتب كلمة النهاية فى فصل مهم من فصول نجاح الإخوان فى السيطرة على العمل الحقوقى ونشطائه، وامتلاكهم ذراعًا دوليةً داعمةً لمشروعهم المتناقض فى الأساس مع مبادئ حقوق الإنسان.
كان تأثير الإخوان واضحًا فى وحدات التحكم والتأثير داخل المنظمات الحقوقية الدولية ومراكز الأبحاث والتفكير "Think Tank"، وبعضها لا يزال يساندهم وهو ما يثير مئات من علامات التعجب والاستفهام عن سر القوة التى يتمتع بها تنظيم إرهابى لدى منظمات تقول إنها تدافع عن حقوق الإنسان.

غطاء المفوضية السامية للإرهاب
ربما يكمن السر فى التمويل القطرى والدعم التركى، وقبول دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة بوجودهم على أراضيها نظير خدمات قدموها لأجهزتهم الاستخباراتية، لكن المعلومات المتوفّرة عن نشاطهم أبعد من فكرة الاستخدام المتعارف عليها فى العلاقة بين أجهزة الاستخبارات وعملائها، فنحن أمام إمبراطورية تجارية وحقوقية وإعلامية، وتواصُل عميق مع نشطاء وباحثين أكاديميين وإعلاميين تم تجنيدهم للدفاع عن الجماعة، إضافةً إلى البحث الدائم عن تخريجات تدعم أنشطتها وتبرر أخطاءها، وتُبعد عنها شبهة دعم الإرهاب، مثل تصريح الأمير الأردنى زيد بن رعد المفوض السامى لحقوق الإنسان بشأن أن حالة الطوارئ والتدابير الأمنية فى مصر هى السبب فى تصاعد الإرهاب وهى حيلة إخوانية بامتياز، تم تمريرها للعديد من المنظمات الحقوقية، ومنها شقت طريقها لكل مراكز الأبحاث فى العالم، التى تركت الإرهاب وتفرغت لإدانة الحكومات التى تحاول مكافحته.
الإخوان يبحثون عن مبرر للدموية بعد انهيار حكمهم فى مصر، وكان الغطاء هو اتهام النظام المصرى بالعنف المفرط، وترويج فكرة الإرهاب كرد فعل على العنف، وهم فى ذلك يستغلون جهل أو تجاهل أوساط غربية عديدة عن مسؤولية الأفكار التكفيرية وتمويل أنظمة وأجهزة استخبارات للعمليات الإرهابية فى مصر وغيرها من الدول.
يستخدم الإخوان العمل المدنى والحقوقى كمصيدة للأنظمة العربية، تبدأ بالانتقاد عبر البيانات والتقارير الحقوقية يعقبها إدانات دولية أو تحذيرات تبدأ بعدها حملة تشويهٍ إعلامى للدولة، تبرز فيها الميديا والمنظمات الإخوانية التى ترتدى قناعًا حقوقيًا زائفًا اكتسبه الإخوان من انتشارهم الخارجى المكثف عبر تنظيمهم الدولى والذى وفر لهم مهارات عديدة فى التعامل مع تلك الآليات، فضلا عن تغلغلهم فى الأوساط الأكاديمية والبحثية وهو ما ساعدهم فى تشويه صورة العديد من الأنظمة العربية ونقل صورة مغلوطة عنهم، وأسهم فى هروبهم المرة تلو الأخرى من مسؤوليتهم فى نشر الإرهاب والتطرف وزرعه فى أذهان أجيال من المهاجرين العرب والمسلمين عبر سيطرتهم المطلقة على المساجد والتجمعات الإسلامية والعربية فى المهجر.

كارتر فى خدمة الإخوان
من أهم أركان الاستراتيجية الأمريكية الخارجية خلق الأدوات، وتقع أدوات نظرية الضرب فى أسفل الجدار التى ابتكرها "زبيجنيو بريجنسكى" مستشار كارتر لشؤون الأمن القومى، الذى له مكانته المرموقة فى مجموعة الأزمات الدولية الصهيونية، فى مقدمة العقل الذى يأخذ بأداة الطائفية والعرقية لتفكيك الشعوب وتفتيت الكتل الكبيرة، وإعادة تركيبها عرقيًا وطائفيًا، ومن ضمن تلك الأدوات التى اعتمدت عليها الولايات المتحدة فى تعاملها مع قضايا الشرق الأوسط كان التعاون والتنسيق مع جماعة الإخوان المسلمين، كان ذلك واضحًا فى إيصال الإخوان للحكم فى مصر، ودعم حزب (النهضة) فى تونس و(حزب العدالة والتنمية) فى المغرب، رغم علمها التام أن هذه الأحزاب تعيش مأزقًا حقيقيًا بين تصوراتها النظرية وبين شعاراتها اليومية (سياسية واجتماعية وإعلامية واقتصادية وأمنية وعسكرية وعلاقات إقليمية ودولية)، وبين متطلبات الحكم الحقيقة وإدارة ملفاته خاصة الأمنية حيث كان الإخوان على عداء مع كل الأجهزة الأمنية فضلًا عن رغبتهم فى التخلص من الجيوش، واستبدالها بمليشيات تابعة لها.
ويمكن اعتبار علاقتهم الخاصة مع الرئيسين الأمريكيين جيمى كارتر وباراك أوباما مؤشرًا على قوة وتشعب هذا التنظيم وقدرته "الحربائية" على التلون وتبديل الأقنعة وفق فقه "التقية" الذى يعنى "التظاهر بغير ما يعتقد خوفًا من البطش"، وعبر هذا المبدأ يخفى الإخوانى أفكاره ليتمكن من إقناع الآخرين بأنه حركة ديمقراطية أو إصلاحية وفق مفاهيم الغرب وإذا اقتضى الأمر أن تخفى انتماءك للإخوان فهذا أمر مشروع ومقبول داخل الجماعة، وأبلغ دليل على ذلك منظمة الإغاثة الإسلامية وهى أكبر المنظمات الإخوانية فى العالم، ولكنها تنفى بشكل قطعى انتماءها للإخوان حتى لا تخضع أعمالها للمراقبة أو الشك والتضييق، وهى من أنشط الجمعيات الإسلامية العاملة فى الولايات المتحدة ولها علاقات بالأمم المتحدة، ويظهر الرئيس كارتر كثيرا فى حفلات جمع التبرعات لصالحها فى الولايات الشمالية ذات الأغلبية الديمقراطية.

والحقيقة يمكن اعتبار علاقة كارتر وأوباما بالإخوان أمرًا معقدًا رغم الشواهد العديدة عليه. كارتر كان أول رئيس أمريكى يزور مكتب الإرشاد، وكانت مؤسسته العاملة فى مجال مراقبة الانتخابات من المؤسسات الداعمة بالبيانات لكل تحركات الإخوان السياسية.
فى شهر يناير 2012، أى قبل الانتخابات الرئاسية بمصر بثلاثة أشهر، زار كارتر مكتب الإرشاد بالمقطم، وقابل قيادات الإخوان، والتقى بمرشد الجماعة آنذاك محمد بديع ونائبيه خيرت الشاطر ومحمد مرسى، كما التقى فى اجتماع حاشد بقادة وشباب الإخوان، لدعمهم ومساندتهم فى المرحلة القادمة من قبل منظمته.
لم يكتفِ كارتر باللقاء، بل قرر مخاطبة الرأى العام المصرى عبر لقاء تليفزيونى مع برنامج "العاشرة مساء" ، أكد فيه أن الإخوان المسلمين لديهم إحساس بالمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم، ليس فقط فيما يخص حكم مصر، لكنهم بيّنوا للعالم أجمع أن الإسلام يتجه نحو السلام والحرية وحقوق الإنسان ورفع المعاناة. ثم فجر مفاجأة بحديثه عن موافقة الإخوان موافقون على معاهدة كامب ديفيد، وأنهم مع السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، حيث بدأ الدعم الفعلى للإخوان بعد الاتفاق مع ذلك اللقاء التليفزيونى.
الخارجية المصرية تفضح كارتر
وكان كارتر أول من وقف بمركزه ضد نتائج ثورة 30 يونيو، بل وحاول التشكيك فيها، وحاول توجيه ضربة لتجربة مصر الديمقراطية بعد التخلص من الإخوان عبر إغلاق مكتبها فى القاهرة فى ضوء ادّعاءات تتعلق بالتضييق على أنشطة المجتمع المدنى والأحزاب السياسية قبل إجراء الانتخابات البرلمانية، وهو ما دفع وزارة الخارجية للرد بعنف وكشف تخبط مؤسسة كارتر حيث قالت نصًا إن قرار الإغلاق يتناقض مع ما تم إخطار الوزارة به فى كتاب رسمى من المدير الإقليمى للمركز، الذى تقدم فيه بالشكر إلى السلطات المصرية على تعاونها مع المركز على مدار السنوات الثلاث الماضية، مما كان له بالغ الأثر فى تسهيل مهمته فى متابعة خمسة استحقاقات دستورية منذ ثورة يناير 2011، معللًا اتخاذ المركز هذه الخطوة فى إطار إعادة توجيه موارد المركز لمراقبة عمليات انتخابية فى دول أخرى دونما أى إشارة إلى الأوضاع السياسية فى البلاد.

وأكدت الخارجية أن ما تضمنه بيان مركز كارتر الأخير حول مبررات غلق مكتب القاهرة يتضمن استنتاجات خطأ وتقييم غير موضوعى يفتقر للدقة، خصوصًا مع ما شهده استحقاقا خريطة الطريق سواءٌ الاستفتاء على الدستور أو الانتخابات الرئاسية من شفافية ومتابعة كاملة لمنظمات حقوقية رسمية وغير رسمية محلية وإقليمية ودولية شهدت فى التقارير التى أصدرتها بنزاهتهما.
وتابعت الخارجية أن التشكيك فى إمكانية السماح لمركز كارتر وغيره من المنظمات الإقليمية والدولية بمتابعة الانتخابات البرلمانية القادمة وفقًا لما ورد فى بيان المركز، إنما يعد استباقًا للأحداث وليس هناك ما يبرره، حيث شهدت الانتخابات الرئاسية الأخيرة مشاركة غير مسبوقة من المنظمات الأجنبية وعلى رأسها الاتحاد الأوروبى والاتحاد الإفريقى ومنظمات الفرانكفونية و الكوميسا والساحل والصحراء وجامعة الدول العربية وغيرها فى ظل تسهيلات كبيرة قدمتها السلطات المصرية لتيسير مهامها .
وألمحت الخارجية إلى شكها فى سلوك المركز بقولها إن "ما صدر عن المركز مؤخرًا من مغالطات وادّعاءات فى المواقف وتناقضات فجة مع الواقع، إنما يثير الشكوك حول حقيقة توجهات المركز ودوافعه بل وأهدافه التى قد يزعجها مناخ الاستقرار الذى تتجه إليه البلاد يومًا بعد يوم مع قرب انتهاء المرحلة الانتقالية بإجراء الانتخابات البرلمانية رغم أعمال العنف والإرهاب التى تشهدها البلاد".
فى الحلقة القادمة من المصيدة: «كارتر يجمع تبرعات للإخوان فى الولايات المتحدة»