البث المباشر الراديو 9090
ملك إسماعيل
كان اللحن المميز ينساب بهدوء شديد إلى مسامع الناس. يسمعونه حتى النهاية على وقع عنوان "سلوكيات" وهو يتصدر برنامج تليفزيونى أيام كان البث التليفزيونى فيه مقتصراً على ثلاث قنوات فقط.

الساعة الخامسة مساءً وحرارة الجو تبدأ فى الانكسار.. ما إن يبدأ البرنامج حتى تبدأ المذيعة الوقورة ذات النظارة المعتادة فى تقديم الحلقة.. تجلس أمام الشاشة، ووراءها ديكور بسيط للغاية، وتتحدث عن سلوكٍ مشين: جحود أبناء أو سوء معاملة سيدة لحماتها أو تفضيل أب لابن عن آخر أو غيرة أو حقد.... إلخ، ثم تبدأ حلقة درامية تناقش ذات السلوك، يكون أبطالها ممثلين مشهورين نسبيًا. وما إن تنتهى الحلقة تبدأ المذيعة الوقورة ما نسميه الآن، فقرة الشارع. تهبط بميكروفونها ذى الغطاء الكبير، لتسأل المارة عن رأيهم فى قصة السلوك. وقتها كان الناس يتحدثون من دون حسابات، يخرجون ما فى قلوبهم، يعبرون عن آرائهم بخصوص القضية المثارة بمنتهى العمق. ثم تعود المذيعة مرة أخرى إلى ستوديو التقديم لتستضيف متخصصاً، ليناقشا الأمر. وتنتهى الحلقة بجملة موسيقية قصيرة من نفس المقطوعة.

ملك اسماعيل

كان البرنامج جاذبًا للأنظار طوال فترة الثمانينيات، خصوصًا أنه لم يكن لإحدى مذيعات المنوعات الشهيرات "فريدة الزمر أو أحلام شلبى أو نجوى إبراهيم" أو غيرهن. إضافة إلى أن توقيت عرضه على الشاشة المبكر نسبيًا.

توقف البرنامج، ربما بعدما دخلت القنوات الإقليمية والمتخصصة على الخط، وصارت لها الغلبة، أو قبلها بقليل. الموسيقى اختفت، لكنها فى أذن الناس. الفقرات الدرامية لا يُذكر منها شىء، ولكن صوت المذيعة ذا البحة المميزة مازال عالقًا فى الأذهان، رغم أنها ليست فى قائمة المفضلات لدى قطاعات كبيرة من مشاهدى التليفزيون فى الثمانينيات.

مرت سنوات. عرف الناس أن المقدمة هى مقدمة مسرحية "ميس الريم" بطولة فيروز، وأن مؤلفها هو زياد الرحبانى، وضعها وعمره 18 سنة فقط!

الإعلامية ملك إسماعيل

سنوات أخرى تمر، ومذيعة البرنامج تختفى عن الأضواء تمامًا، ولكن يظل اسم البرنامج وفقراته "فورماته" عالقًا، تمامًا مثل صوت المذيعة وبحتها واسمها.

السنوات لا ترحم، بالأمس كان خبر وفاة ملك إسماعيل، صاحبة البرنامج، الذى أعتبره بعد كل هذا العمر، الأفضل.

توقيت وفاة ملك إسماعيل يعتبر دراميًا للغاية، لأنه جاء بعد حادث تحرش رجل بطفلة، التقطته كاميرا مراقبة، وكشفته سيدتان تعملان فى شقة مجاورة. وفاة ملك إسماعيل، جاءت بعد سلوك ربما لو خصصت له الراحلة، حلقة فى برنامجها، لسخر الناس من خيالها الجامح، أو ربما اتهموها بتشويه سمعة الرجل، وأقاموا عليها الدعاوى القضائية.

ملك إسماعيل

مثلما كانت ملك إسماعيل تصر أن تناقش سلوكيات المجتمع السيئة فى برنامجها، عبر فقرة درامية متماسكة، رحلت وهى تشاهد فقرة "واقعية" عن سلوك، ربما لم يتحمله قلبها، وقلوب كثير مثلها.

ما كانت تقدمه ملك إسماعيل على الشاشة يعتبر أهم كثيرًا من دروس ومواعظ تُلقى يوميًا على مسامع الناس.
رحلت وربما كانت تعرف ذلك، لكنها رحلت، لننتظر مثل هذا البرنامج مرة أخرى، أو أن يعيد التليفزيون بثه مرة أخرى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز