البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
استكمالًا لمقال "الفكر المجتمعي معطل لإدارة الثروة"، الذي نشر الأسبوع الماضي الجمعة 16 أكتوبر تبرز تجارب عدد من الدول التي استطاعت تحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة، ونجحت في تغيير فكرها الاقتصادي والمجتمعي.

رغم محدودية موارد بعضها أو ضخامة التحديات السكانية التي واجهتها، وتقدم تجارب الصين وبنغلاديش وإندونيسيا والهند وسنغافورة وتشيلي والبرازيل دروسًا مهمة لمصر في كيفية الانتقال من اقتصاد يسعى إلى تلبية الاحتياجات إلى اقتصاد يعمل على إنتاج الثروة وتوسيع فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.

والقاسم المشترك بين هذه التجارب، رغم اختلاف ظروفها وسياساتها، هو أن التنمية لم تتحقق بمجرد توافر الأموال أو الموارد الطبيعية، بل ارتبطت بتغيير أساليب إدارة الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان، وتطوير المهارات، وتشجيع العمل والإنتاج، وبناء مؤسسات تساعد على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

ومع ذلك، فإن هذه التحولات لم تعتمد على تغيير القيم وحده، وإنما احتاجت إلى سياسات اقتصادية واضحة، وبيئة أعمال مناسبة، وأسواق تستوعب الإنتاج، وقدرة على المنافسة.

تأتي التجربة الصينية في مقدمة النماذج التي توضح أهمية هذا التحول، فمنذ بدء الإصلاحات الاقتصادية عام 1978، اتجهت الصين إلى توسيع دور السوق، وتشجيع الاستثمار والمبادرة الفردية، والانفتاح على التجارة العالمية، مع الاحتفاظ بدور قوي للدولة في التخطيط وتطوير البنية التحتية.

واستطاعت من خلال التصنيع والتصدير ونقل التكنولوجيا وتطوير المهارات أن تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية، وأن تسهم في انتشال مئات الملايين من الفقر.

ولم يكن النجاح الصيني قائمًا على ضخامة السكان وحدها، بل على القدرة على تحويلهم إلى قوة إنتاجية، وتطوير مهاراتهم، وربط العمل بالنتائج، والتوسع في الصناعات القادرة على المنافسة.

والدرس لمصر أن الكثافة السكانية يمكن أن تتحول من عبء على الموارد إلى ميزة اقتصادية إذا توافرت فرص العمل المنتج والتعليم المناسب والسياسات التي تشجع الإنتاجية.

أما بنجلاديش، فقد استطاعت تحقيق تقدم اقتصادي واجتماعي من خلال التوسع في صناعة الملابس الجاهزة وزيادة الصادرات، وهو ما وفر فرص عمل لملايين الأشخاص، وأسهم في زيادة مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، وتوضح تجربتها أن الصناعات كثيفة العمالة يمكن أن تكون مدخلًا مهمًا للحد من الفقر، خاصة عندما ترتبط بالأسواق الخارجية والتدريب وتطوير المهارات.

ورغم استمرار تحديات الأجور وظروف العمل والحاجة إلى تنويع الصادرات، فإن التجربة تؤكد أهمية تحويل العمالة المتاحة إلى طاقة إنتاجية قادرة على خلق الدخل.

وفي إندونيسيا، ساعد التوسع في الصناعات التحويلية والخدمات والبنية التحتية على تنويع الاقتصاد والاستفادة من الموارد الطبيعية، وتكشف هذه التجربة أن امتلاك الموارد لا يكفي لتحقيق التنمية، ما لم تستطع الدولة تحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة، فبدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، ينبغي تطوير الصناعات المرتبطة بها، وبناء سلاسل توريد محلية، وزيادة فرص التصنيع والتشغيل.

وتقدم الهند درسًا آخر يتمثل في أهمية التعليم والمهارات. فقد ساعد نمو قطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات، إلى جانب تطور صناعات مثل الأدوية، على تعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي، كما أسهم النمو الاقتصادي في تحسين مستويات المعيشة وخفض الفقر، وإن ظلت تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي قائمة.

وتوضح هذه التجربة أن التعليم لا ينبغي أن يكون مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل أداة لاكتساب مهارات يحتاج إليها الاقتصاد، ويمكن تحويلها إلى إنتاج ودخل وابتكار.

وتبرز سنغافورة نموذجًا مختلفًا، إذ استطاعت، رغم محدودية مساحتها ومواردها الطبيعية، بناء اقتصاد مرتفع الدخل من خلال كفاءة المؤسسات، وجذب الاستثمارات، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، والاستثمار في التعليم والتدريب، ومكافحة الفساد.

وتؤكد تجربتها أن الانضباط والضمير المهني لا ينفصلان عن جودة المؤسسات وعدالة القواعد. فلا يمكن ترسيخ ثقافة الإتقان إذا لم يشعر العامل بأن جهده مقدر، أو المستثمر بأن المنافسة عادلة، أو المواطن بأن القانون يطبق على الجميع.

أما تشيلي، فقد استفادت من مواردها الطبيعية، خصوصًا النحاس، وطورت صادرات زراعية وغذائية، مستفيدة من الانفتاح التجاري وتحسين القدرة التنافسية.

وأسهم النمو الاقتصادي في خفض الفقر وتحسين مستويات المعيشة، رغم استمرار مشكلات التفاوت في الدخول والفرص، وتوضح تجربتها أن النجاح لا يقاس بحجم الصادرات وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل عائداتها إلى تنمية وفرص عمل وخدمات أفضل، مع توسيع قاعدة المستفيدين من النمو.

وفي البرازيل، ساهم تطور الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات، إلى جانب برامج الحماية الاجتماعية، في تحسين ظروف قطاعات من السكان والحد من الفقر خلال فترات مختلفة.

وتكشف التجربة أن بناء الثروة وحماية الفئات الأكثر احتياجًا ليسا هدفين متعارضين، فالدعم الاجتماعي ضروري لمواجهة الفقر، لكنه يصبح أكثر استدامة عندما يتكامل مع توفير فرص العمل والتدريب وتحسين الإنتاجية.

وفي الوقت نفسه، توضح التحديات البرازيلية أن النمو الاقتصادي لا يضمن وحده عدالة توزيع الفرص والثروة.

ماذا تعني هذه التجارب بالنسبة لمصر؟ إنها تؤكد أن الانتقال إلى مرحلة إدارة الثروة يتطلب تغييرًا متكاملًا في الفكر الاقتصادي والمجتمعي، بحيث يصبح الإنتاج معيارًا أساسيًا للنجاح، وتتحول المهارة والإتقان والمبادرة إلى قيم تحظى بالتقدير.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية الوظيفة أو مسؤولية الدولة الاجتماعية، وإنما توسيع مفهوم العمل الناجح ليشمل العامل الفني والمزارع والحرفي وصاحب المشروع والمبتكر، إلى جانب الموظف والمتخصص.

ويقتضي ذلك تطوير التعليم الفني والمهني، وربط التدريب باحتياجات المصانع والشركات، وتيسير حصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة على التمويل والأسواق، وتشجيع الشباب على اكتساب المهارات وإنشاء المشروعات بدلًا من حصر طموحاتهم في انتظار الوظيفة.

كما يتطلب تمكين المرأة اقتصاديًا، وتوفير بيئة تساعدها على العمل والإنتاج، بما يرفع دخل الأسرة ويزيد قدرة المجتمع على الاستفادة من موارده البشرية.

ومن المهم أيضًا أن تتحمل المؤسسات مسؤوليتها في بناء هذه الثقافة؛ فالإتقان لا يتحقق بالمواعظ وحدها، وإنما بتوافر أدوات العمل والتدريب، وعدالة الأجور، ووضوح القواعد، ومكافأة المجتهد، ومحاسبة المقصر. وعندما تصبح النزاهة والكفاءة أساسًا للتقدم، تقل تكلفة الفساد والأخطاء، وتزداد ثقة المستثمرين والعملاء، وتتحسن قدرة المنتجات المصرية على المنافسة.

وفي هذا الإطار، يمكن لمصر تطوير مشروع "القرية المنتجة والمحافظة المنتجة"، من خلال تحديد المزايا التنافسية لكل منطقة، وربط الزراعة بالصناعات الغذائية، والحرف بالصناعات الحديثة، والمشروعات الصغيرة بالمصانع الكبرى، وتوفير منظومة للتسويق والتصدير.

كما ينبغي ربط الحوافز الاستثمارية بزيادة الإنتاج والقيمة المضافة والصادرات ونقل التكنولوجيا وتطوير العمالة المحلية، حتى تنعكس الاستثمارات بصورة ملموسة على الاقتصاد وفرص العمل.

إن التحدي لا يتمثل في استنساخ التجارب الأجنبية، فلكل دولة ظروفها الخاصة، وإنما في استخلاص الدروس التي تناسب مصر.

وأهم هذه الدروس أن تغيير القيم يجب أن يسير بالتوازي مع إصلاح المؤسسات والسياسات، وأن مكافحة الفقر تحتاج إلى توسيع القدرة على الإنتاج، مع استمرار الحماية الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص.

فالثروة ليست مجرد أموال أو أصول تمتلكها الدولة، بل هي القيمة التي يستطيع المجتمع خلقها من خلال العمل والمعرفة والمهارة والابتكار. والدولة التي تنجح في بناء البنية التحتية وجذب الاستثمارات تحتاج إلى مجتمع قادر على تشغيل هذه الإمكانات وتعظيم عوائدها.

ومن هنا، فإن استكمال بناء الدولة المصرية يتطلب بناء الإنسان المنتج، وترسيخ ثقافة تحترم العمل وتقدر الإتقان وتربط النجاح بالجهد والنزاهة، في ظل مؤسسات عادلة وسياسات تشجع المنافسة والإنتاج، فإدارة الثروة لا تبدأ بما نملكه فقط، بل بما نستطيع أن نصنعه من خلاله؛ ولا تكتمل بالتوسع في الاستثمار وحده، وإنما بتحويله إلى إنتاج وفرص عمل ودخل مستدام.

وهذا هو جوهر الانتقال من دولة تبني الإمكانات إلى دولة تعظم عوائدها، ومن مجتمع ينتظر التنمية إلى مجتمع يشارك في صناعتها.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز