التحرش الجنسى - صورة أرشيفية
ورغم آلاف المقالات فى الصحف، وآلاف اللقاءات فى الإذاعة والتليفزيون والقنوات الفضائية، والإجراءات الأمنية والقوانين التى تنفذها الدولة إلا أن هذا المرض لا يزال يتوطن فى عددٍ من الأماكن.
ففى الآونة الآخيرة، برزت على الساحة واقعة التحرش التى شهدتها منطقة التجمع الخامس بالقاهرة، بالإضافة إلى مقتل زوج يبلغ من العمر 40 عامًا بعدة طعنات بعدما حاول الدفاع عن زوجته التى تعرضت للتحرش بأحد شواطئ الإسكندرية!
هذان الخبران وغيرهما من الأخبار المستفزة كانت دافعًا لخروج الأزهر الشريف ببيان رسمى يوم الإثنين الماضى يوضح فيه حكم الشرع فى تلك المسألة، مشددًا على أنه جريمة منكرة لابد من مواجهتها بكل قوة.

صدمة
وفقاً للمركز المصرى لحقوق المرأة فإن نسبة التحرش الجنسى تصل 83% بين النساء.. 64.1% منهن يتعرضن للتحرش بصفة يومية، و33.9% يتعرضن للتحرش أكثر من مرة وليس بصفة دائمة.
عقوبات التحرش فى العالم
تتراوح عقوبة التحرش الجنسى فى العالم ما بين السجن، والحبس والغرامة، حيث تفرض فرنسا عقوبة تتراوح بين السجن عامين، وغرامة 30 ألف يورو إلى 3 سنوات، وغرامة 45 ألف يورو.
أما فى أمريكا فتصل فى بعض الأحيان إلى السجن مدى الحياة، وغرامة قدرها ربع مليون دولا، فى حين تأتى جمهورية التشيك كواحدة من أكثر الدول تغليظاً للعقوبة من خلال تطبيق الإخصاء الجراحى والكيميائى للمتهمين بالاعتداء الجنسى على الأطفال، بينما يعاقب القانون المصرى بالحبس لمدة عام، وغرامة 5 آلاف جنيه كحدٍ أدنى و10 آلاف جنيه كحدٍ أعلى، وتزيد العقوبة حينما يكون للمتحرش نوع من السلطة الوظيفية، أو يحمل سلاحًا أو معه من يعاونه إلى ما بين السنتين والـ 5 سنوات مع غرامة تقدر ما بين الـ20 و50 ألفًا.

سلوك منحرف
جاء بيان الأزهر ليؤكد أن التحرش إشارة أو لفظًا أو فعلًا، هو تصرف محرم وسلوك منحرف، يأثم فاعله شرعًا، كما أنه فعل تأنف منه النفوس السويّة وتترفع عنه، وتنبذ فاعله، وتجرمه كل القوانين والشرائع، يقول تعالى: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"، مشددًا على أن تبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة يعبر عن فهم مغلوط، لما فى التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها، فضلًا عما تؤدى إليه انتشار هذه الظاهرة المنكرة من فقدان الإحساس بالأمن، والاعتداء على الأعراض والحرمات.
حملة توعية
فى الوقت نفسه، أطلق مجمع البحوث الإسلامية حملة توعوية موسَّعة لمواجهة ظاهرة التحرش كإحدى الظواهر الخطيرة التى تثير الفتن فى المجتمع، وتتنافى مع القيم المجتمعية العليا.
وتستهدف "الحملة" إلقاء الضوء على حرمة تلك الجريمة فى الإسلام، ومخاطر هذه الظاهرة على جميع أفراد المجتمع من ضياع للأمن، والأمان والقيم، والأخلاق الرفيعة، وكيفية المواجهة.
مريض نفسى
السفيرة منى عمر، نائب رئيس المجلس القومى للمرأة، قالت، إن مرتكب جريمة التحرش هو مريض نفسى سواء أكان شابًا أم فتاة، يفتقد أدنى معانى القيم أو المبادئ والتربية.
أضافت، لـ "مبتدا": "من أسباب تلك الجريمة ما تعرضه الدراما، وتبثه وسائل التواصل الاجتماعى إلى جانب المخدرات، والفراغ عند الشباب، بالإضافة إلى غياب الوازع الدينى والأخلاقى، وإهمال الأسرة دورها فى التربية، والتنشئة السليمة القائمة على احترام الأنثى أيًا كانت وفى أى مكان.
وأوضحت أن المجلس القومى للمرأة ليس له دور تنفيذى بقدر ما هو جزء من عمليات التوعية المجتمعية، وهو الأمر الذى يقدمه من خلال البرامج التى أقرها مع الوزارات المختلفة سواء مع وزارة الأوقاف بما تملكه من رجال دين، وواعظات أو الكنيسة، إلى جانب البرامج الموقَّعة مع الجامعات المصرية، وورش العمل القائمة على توجيه الشباب إلى احترام الآخر سواء أكان المعرَّض للتحرش فتاة أو شابًا، خصوصًا وأن أغلب من يتعرض للتحرش من الفتيات مؤكدة دعم المجلس للإجراءات القانونية والقضائية التى تسلكها المتعرضات للتحرش.
وحول دور المؤسسات الدينية، أكدت السفيرة منى عمر أن بيان الأزهر الأخير حمل كثيرًا من الإيجابية وكان مشرِّفًا للغاية خصوصًا وأنه يساعد على تحقيق الوعى الدينى، وبيان مدى عدم اتساق تلك الجريمة مع القيم والمبادئ الدينية، مشددة على دور رجال الدين الإسلامى والمسيحى والداعيات فى تناول الأمر من خلال المناسبات الدينية أو الخطب المتنوعة.

وفيما يتعلق بالجانب التشريعى، أوضحت نائب رئيس المجلس القومى للمرأة، أنه على الرغم من تغليظ العقوبات ضد المتحرشين إلا أنها قد لا تتناسب مع حجم التحديات التى تواجهها الفتيات فمن يقم بالفعل هو متعدٍ على كرامة وشرف المرأة ولا يدرك ما يخلفه من ضرر جسدى ومعنوى للأنثى، الأمر الذى يتطلب مزيدًا من التغليظ والردع.
وتابعت: "فى الوقت نفسه على كل أنثى أن تبادر إلى فضح مرتكب تلك الجريمة سواء فى وقت ارتكابها من خلال الصوت العالى، وسرعة الإبلاغ عنه واتخاذ الإجراءات القانونية، وعدم الخشية من تلك القلة الساخرة التى ستتوقف مع زيادة الوعى".
التوقف عن لوم الضحية
بينما قالت الدكتورة داليا زيادة، مدير المركز المصرى للدراسات السياسية الحرة، إن التحرش إحدى القضايا التى تسببت فى تفاقمها عوامل عدة منها العصور السابقة، وتعاملها مع الأزمة، من خلال الحرص على خفوت صوته كى لا يُحمل الأمر كجزء من تشويه صورة مصر، إلى جانب وقوع الفتاة بين المتاجرين بالدين والمتاجرين بقضايا المجتمع الذين يوجهون سهام اللوم إلى الضحية، ولجوء الفتيات وأسرهن إلى الصمت خوفاً من العار واتهامها بارتداء ملابس تستحق معها تلك الأفعال.
أضافت لـ "مبتدا": "الثورات الأخيرة التى شهدتها مصر جعلت المرأة أكثر تحرراً، وجرأة، فبدأت تدافع عن نفسها وكرامتها، وبدأت حملات التوعية والتحدث عن التحرش بأنواعه والتعريف بأفعال لم تكن مدرجه ضمنه كالمعاكسات التى يقوم بها الشباب، حيث اقتصر الأمر فى السابق على التحرش الجسدى دون اللفظى، ما ساعد على تقليل نسبته، ولجأت وزارة الداخلية إلى التواجد فى التجمعات والدفع بعناصر من الشرطة النسائية، وصدرت تشريعات برلمانية لمنعه وتجريمه وتغليظ العقوبات، والعمل على التفرقة بينه وبين الاغتصاب حتى يمكن التدرج فى العقوبة.
وأشادت الدكتورة داليا بما أعلنه الأزهر الشريف فى بيانه من حكم ونظرة الشرع الحنيف فى المسألة، قائلة: "موقف الأزهر أكثر من رائع، وضربة فى مقتل لتجار الدين وأدعيائه، ووضع النقط على الحروف، وقام بتجريمه شرعًا، الأمر الذى يساهم فى تحقيق الوازع الدينى والقضاء على التحرش".
وأرجعت مدير المركز المصرى للدراسات السياسية الحرة أسباب الظاهرة إلى غياب التربية والأخلاق عند المراهقين، وعدم وجود رادع للمتحرش، إلى جانب غياب القانون، ولوم الضحية من قبل المجتمع دون العمل على دعمها.

مخلفات التدهور الأخلاقى
فى حين رأت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن ظاهرة التحرش تعتبر من مخلفات التدهور الأخلاقى الذى يعانيه المجتمع جرَّاء غياب الأسرة، والمجتمع ككل، مشيرة إلى أن هناك حاجة ماسة إلى أن تقوم المؤسسات الدينية بدورها فى التوعية بمخالفة تلك الأمور غير الأخلاقية والمخالفة للشرائع والأديان، وأن تتناول ذلك عن طريق الخطب والندوات والمؤتمرات العلمية.
وشدَّدت لـ "مبتدا" على أن للتحرش أسباب متعددة منها ما هو متعلق بالحالة النفسية، والفقر، والفراغ، والإحباط، والظروف الاقتصادية، وغياب الأخلاق، والإدمان، مؤكدة أن تغليظ العقوبات والعمل على إجراء توعية ثقافية ودينية، هى من الأمور التى تساعد فى الارتقاء بمستوى الشباب ودفعهم بعيدًا عن ذلك المسلك.

أنتى الأهم
من جهته، قال الدكتور عمرو حسن، مؤسس حملة "أنتى الأهم"، إن "الحملة" أعلنت عن فعالية يوم الثلاثاء المقبل بعنوان "لا للتحرش"، سيتم تدعميها بورش عمل لتعليم البنات الدفاع عن النفس، مشيرًا إلى أن أهم أسباب انتشار التحرش هو إلقاء المسؤولية على الفتاة بشكلٍ دائم من قبل البعض، وتجاهل الجريمة التى تُرتكب ضدها، وفى الوقت نفسه، فإن الفتاة تخشى من التحدث بصراحة ووضوح ما يجعل الأمر يزداد سوءًا.
أضافت لـ "مبتدا" أن التحرش جريمة يجب التصدى لها من قبل جميع مؤسسات الدولة، بما فى ذلك توجيه الخطاب الدينى لمواجهة من يربطون بين ملابس المرأة وإباحة التعدى عليها، مشيرًا إلى أن حوادث التحرش تجد من يبررها بشكلٍ دائم، وعلى الرغم من حملات التوعية فإن قلة من الفتيات من يمتلكن الجرأة على التحدث وملاحقة المتحرش فى ساحات القضاء.
وأشار إلى أن "الحملة" قامت بعدة فعاليات لمواجهة التحرش فى الميادين وعبر وسائل التواصل الاجتماعى شملت إصدار بعض "الهاشتاجات" منها "لا للتحرش.. التحرش جريمة.. هصون حقها.. لا للتحرش المهنى"، نافيًا ارتباط التحرش بما ترتديه المرأة خصوصًا وأن المتحرش مريض لا يفرق بين الفتاة الملتزمة وغير الملتزمة.