عزة كامل
استقبلتنى بأدب جم وأثارت فى دخيلتى مشاعر تمتزج فيها الهيبة بالاحترام بالإجلال، عندما أذنت لى بالجلوس بجانبها بدت لى أنها تزخر بحيوية رهيبة، كنت أرى أن الخيوط التى ترسم مصيرى هى الكلمات التى ستدفق من شفتيها، كانت عيناى تلاحقان توتر الشاب وحمقه البادى فى وجهه. فى هذه اللحظة أيقنت أن قَدَرى هو أمر غريزى لا مفرَّ منه، رغم قناعتى العميقة بوجود الإرادة الحرة والاختيار الواعى .
قالت لى: مرحبًا بك فى بيتك الثانى... وأشارت بيدها إلى الشاب، وقالت هذا ابنى ... ضغطت على زر بجوارها فحضر الخادم، وقالت له: اذهب بالضيف إلى حجرته.. واستدارت بوجهها تدريجيًا نحوى .. استرح الآن وسننتظرك على العشاء.
الغرفة التى اصطحبنى إليها الخادم تقع فى أخر المنزل، غنية بزخارفها وبكثير من لوحات التصوير.. كان الضوء خافتًا، تمددت على السرير، وقعت عيناى على لوحة جانبية تشع منها إيماضة خلابة لا أعرف سر لمعانها.. كان هناك مصدر أخر للضوء ينعكس عليها.
كانت واقفة تستند بظهرها إلى شرفة تطل على حديقة خضراء ممسكة بباقة من الورد الأحمر وعند قدميها يرقد كلب أشهب ضخم فاغر فمه، يتدلى لسانه. كان هناك ظل غائم بمثابة خلفية للوحة، وجه المرأة الشابة يرتسم فى تعبيره آثار غامضة من الحزن الخفى رغم الابتسامة الرقيقة التى يفتر عنها ثغرها، سبابتها تشير إلى شىء غير مرئى، وثوبها يشف عن ساقين رائعتين فى تكوينهما.
هذا الجمال الآسر الذى يشع من الإضاءة المتدرجة فى اللوحة .. جعلنى اقترب منها ... أطبقت عينى لأعطى نفسى هدنة من أجل أن أتأملها بعد ذلك بعينين واثقتين دون الذهول الذى ربما أصابنى بسبب التعب الذى ألمَّ بى من طول الرحلة.. فتحت عينى بعد لحظات وأخذت أتملى فى اللوحة مرة ثانية، أرعبنى نظرة الكلب فقد أحسست أنها نظرة وقحة.. كاسرة.. مليئة بالرغبة فى الانتقام .. حاولت أن أتجنب هذه النظرات بالتركيز على جسد المرأة الشابة.. الوجه.. الذراعين.. النهدين ... القدمين، وخصلات الشعر المتلألئة التى تتناثر على الجبهة والكتفين قد أعطى سحرًا وبهاءً لهذا الوجه الحزين ... ياله من جمال آخَّاذ، مضى وقت طويل وعيناى تلتهمان تفاصيل اللوحة، خُيِّل إلى أننى أرى تفاصيل حية ... سمعت طرقات على الباب بددت الذهول الحالم الذى تملك حواسى وأعادتنى إلى الواقع بكل حقيقته التى بينت لى الرعب والاضطراب.
حان ميعاد العشاء يا سيدى..
ارتديت ملابسى دون أن أحوِّل عينى عن اللوحة التى آثرتنى بدفقتها الحية.. غرفة الطعام واسعة.. جدرانها مغطاة بسجاجيد مختلفة الألوان ومختلفة المنشأ وبلد الصنع، عندما وقع بصرى على إحدى السجاجيد التى تنعكس عليها الأضواء الشاحبة أحسست بقلبى يتوقف عن الخفقان وتسمرت عيناى مأخوذة بالرعب الذى تبثه السجادة من عين الكلب الذى يبرز من النصف الأعلى .. إنه نفس الكلب الذى كان يرقد عند قدمى المرأة الشابة فى اللوحة المعلقة فى غرفة النوم.
خُيِّل إلىَّ أننى أسمع نباح الكلب تصم أذنى .. لقد رأيت هذا الكلب من قبل.. نعم فعينا الكلب الشرس تخبرنى بل تؤكدان لى أننا قد تقابلنا.. ليس هو فقط، بل والمرأة الشابة .. شىء ما يربطنى بها ... يجعلنى أكاد أجزم بأننى رأيتها.. بل تكلمت معها ... آه راسى يتصدع .. أكاد أُجن.
لاحظت مُضيَّفتى توترى واضطرابى ... قالت لى بأدب وبصوت حنون حان الآن وقت الخلود إلى النوم والحصول على بعض الراحة.
ألقيت عليها تحية المساء، واتجهت إلى الغرفة فى هدوء.. استلقيت على السرير، وحاولت تجنب النظر إلى اللوحة.. أطفأت أضواء المصابيح. برز وجه المرأة وجسدها والكلب كأنهم صور أو رؤى تخترق العتمة وتتحدى السكون العميق الذى يخيم على المكان.. تغلغلت عينا الكلب فى قلبى كأنها خنجر، أما عينا المرأة فقد كانتا جميلتين ومغريتين .. شعرت بها تجلس بجوارى، حركت شفتيها وبدلًا من أن تتكلم أخذت تبكى بكاءً صامتًا، وهى تنظر لى فى حنان فريد كمن يشكو إلى سرها الوجيع.
مددت يدى ارتب على كتفها ... ركضت واختفت فى اللوحة وسكنت فيها.. انفتحت أمامى الآن الذكريات ... استعدت فى مخيلتى تلك الأيام والأحداث أمام ناظرى.. أرى نفسى طفلًا فى السادسة من عمرى يصطحبنى أبى إلى نزهة فى الهواء الطلق فى إحدى الحدائق، وعلى مسافة بعيدة بينما كان أبى يلاعبنى.. أبصرت امرأة تقف فى زاوية الحديقة تصطحب معها كلبًا.. كان شعرها الأسود يغطى كتفيها، وبياض وجهها الشاهق.. عيناها متألقتان ببريق ساحر.
أمسك أبى بيدى وقدمنى للمرأة
هذا ابنى
ربتت على شعرى بحنان وشعرت بأنفاسها الدافئة على وجهى، احتضنتنى وأخرجت من حقيبتها الصغيرة بعض الحلوى وأعطتها لى ... وما كدت أضعها فى فمى حتى زمجر الكلب ونبح، ارتعبت وبكيت وتشبثت يدى بساق أبى وأنا أكاد أموت من الرعب، حملنى أبى وأجلسنى على سور الحديقة.. جلست المرأة بجوارى بعد أن وبَّخت الكلب وأمرته بالجلوس عند قدميها.
اصطحبنى أبى أكثر من مرة إلى هذه الحديقة التى كنا نتقابل فيها مع هذه المرأة ... كنت أنتظر رؤيتها لأنها كانت تدللنى وتلعب معى وتعزف على الهارموبيكا، وعلمتنى كيف أعزف نغمات حميمة من هذه الآلة الصغيرة.
لكنى حُرمت من الذهاب مع أبى لرؤية المرأة والكلب، فقد تشاجرت أمى مع أبى وسمعتها تقول له بصرامة وكل جسدها يرتج:
لن أسمح لك بأن تورط ابنى فى هذه القذارة.. لن أسمح لهذه المرأة أن تُفسد عقل طفلى.
لم أكن أنا الطفل الصغير بقادر على معرفة سر غضب أمى من أبى ومن هذه المرأة، ولماذا تريدنى ألا أراها.
لم تكن أمى تُفصح عن شىء، ظلت شفتاها مطبقتين فى قسوة، ووجها يقطر صفارًا.
هجرنا أبى وساءت حالة أمى أصابها الهزال وامتزج المرض بالألم، وغرقت فى مزاج سيئ وفى يأس مطلق واستخدمت العنف مع نفسها ومعى، استمرت أمى على هذا الحال أيامًا وأيامًا لا أدرى عددها.. مساء أحد الأيام جاءت إلى سريرى، استلقت إلى جانبى وأخذت تهدهدنى، وهى تحكى لى حكاية، عاد إلى صوتها الحنان والرقة وشعرت بدموعها تبلل خدى ووسادتى .. غفوت فى حضنها عندما استيقظت فى الصباح لم أجدها بجوارى، وجدت خالتى ترتب ملابسى، وملابس أمى وتضعها فى حقيبة كبيرة.
أخبرتنى أننا سنرحل الى مدينة أخرى وأن أمى تنتظرنا هناك.. اجهشت فى البكاء، لماذا أترك بيتى، وكل الأشياء التى تخصنى. ألعابى. حجرتى وأصدقائى؟، لماذا يقرر الكبار دائمًا مصائر الصغار؟!.. وبَّختنى خالتى على تلكُئى فى ارتداء ملابسى. أكره خالتى لأنها منذ هروب أبى جاءت وعاشت معنا، وكانت قاسية القلب لا تفعل إلا إلقاء الأوامر. أبى كان مختلفًا رقيقًا. كانت تحيطه سحابة من السحر، لكن لن أغفر له أنه تركنى وجعل بيتنا أشبه ببيت الأشباح. كئيب. أهملتنى أمى التى كانت فيما مضى ممتلئة حماسة، وتفيض حيوية، الآن يكتنفها الغموض.
أُحس أننى أنتمى لعائلة أبى أكثر.. كنت أشعر بألفة فى اللعب مع الحيوانات وخصوصًا الكلاب التى أشعر معها بطفولتى وبوجودى.. فى أوقات كثيرة أحكى لهم إحساسى تجاه أمى وأبى. حاولت أن أسرق السعادة من وراء الأشياء التى تخصنى. القصص الخيالية التى أنسجها مع أصدقائى فى المدرسة وأصدقائى من الكلاب الضالة، أو اللعب التى أصنعها من بقايا العلب والزجاجات، فقد كنت أمتلك موهبة مبكرة فى اختراع الأشياء، إلا أن سعادتى دائمًا يعترضها ذلك الغموض المرتبط بهجر أبى للمنزل وبحرمانى من رؤية المرأة الشابة والكلب.
خرجت مع خالتى تاركًا عالمى وأشيائى وكلابى. تنقلنا من حافلة إلى أخرى إلى أن وصلنا إلى مدينة يبدو أنها قريبة من الريف... تسلَّل الاكتئاب لا شعوريًا إلى وانتابنى الضجر كانت أمى تنتظر فى منزلنا الجديد.. لحظت أن رعشة ظاهرة أصابت يدها وأن حركتها مضطربة، نظرت إلى خالتى نظرة يملؤها الانتصار وانتحت بها جانبًا وهمست فى أذنها:
النار أكلتها .. لن يجدوا منها شيئًا.. لقد حرقت قلبه مثلما حرق قلبى.
بدأت أفهم حدسيًا معنى الكلام، وأحسست أن قدمىَّ تطأن عالمًا مختلفًا، مخيفًا، ومن يومها وهناك جدار يفصل بينى وبين أمى، وضعت همى فى دراستى وفى قراءة الأدب، وروايات الخيال العلمى .. حاولت أن أُقحم نفسى فى عالم يعطينى ما افتقدته فى هذا العالم العقيم، الفظ، الكئيب.
عندما أتممت عامى التاسع عشر، أصاب أمى مرض عضال قضى عليها، ورحلت عن عالمى الذى ازداد كآبة ووحدة بعد رحيلها، وكان علىَّ أن أتدبر أمور معيشتى.. تنقلت من عمل إلى آخر إلا أن استقر بى الحال فى مطبعة كتب، وانغمست فى الأوراق والحبر، لكن هذا العمل وفَّر لى الاستقرار والأصدقاء وساعدنى على استكمال تعليمى.
لم أكفَّ لحظة عن التفكير فى أبى ومصيره، وما كان أشد احتياجى إليه فى تلك الفترة المتَّقدة، والخطرة من شبابى.. حاولت العثور عليه، أضنانى البحث، ذهبت إلى المدينة التى وُلدت فيها لعلى أجد خيطًا أسير وراءه للوصول إليه وقد نجحت.
عثرت على منزله لكن للأسف بعد فوات الأوان ... لقد مات أبى منذ عام ونصف العام فقط .. لماذا لم أبحث عنه من قبل ... رغم البؤس الذى أحاطنى؟.. كانت هناك بادرة أمل، فقد أخبرنى الجيران بمكان عمتى التى لم أرها منذ أيام طفولتى، شعرت بفأل حسن بأمل فى العثور على عمتى وتبديد الوحدة التى أمقتها وأعانى منها كل لحظة وها أنا الآن فى منزل عمتى.
سمعت طرقات خفيفة على الباب وصوت عمتى الذى بدا لى دافئًا وعذبًا:
أما زلت مستيقظًا.. أردت الاطمئنان عليك فقد لفت نظرى أن أضواء المصابيح مضيئة.
فتحت الباب وأذنت لها بالدخول، بشكل لا إرادى كنت أبحلق فى صورة المرأة والكلب، كأننى أريد منها إيضاحًا، قالت بعد أن زفرت تنهيدة عميقة:
هذه أعز أصدقائى ... هذه هى المرأة التى كان يعشقها أبوك، والتى احترقت مع منزلها، ولم نعرف إلى الآن من هو الفاعل؟.. لم أدر إلا وأننى أخذت انكمش إلى أن صرت صغيرًا بحجم اللوحة التى أمامى. اخترقت اللوحة، أفسحت مكانًا بجوار المرأة الشابة التى احتضنتنى وشعرت بلسان الكلب يلعق لسانى. اختفيت فى اللوحة واختفت أيامى المحزنة ورائى، وبقيت عمتى مندهشة فاغرة الفاه.. تنظر إلى الصورة.. تفتش عن صديقة عمرها وعنِّى.