أشرف الصباغ
الجزء غير الظاهر، هو الأكبر والأخطر، والذى يثير قلق الجميع، وبالذات القوى الكبرى المتنفذة من تحولات شبه جذرية فى مواقف الكثير من القوى الإقليمية.
وفى كل الأحوال لم يجر إلا "لعبة كراسى موسيقية" مع القوات الأمريكية، ويبدو أن إعلان ترامب أكثر خبثا من ما يبدو. إذ جهَّزت الولايات المتحدة ما يسمى بالجيش الحر الذى سيكون له دور مهم فى المشهد المقبل، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع ذلك.
كما أن الولايات المتحدة لن تخرج من سوريا، وإنما ستسحب بعض قواتها العسكرية لإعادة نشرها فيما بعد. إضافة إلى أن قواتها متواجدة أصلا بالقرب من سوريا (فى العراق وعلى الحدود العراقية السورية، وفى الخليج). وعموما قد يتغير الكثير من الأمور خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، وبالذات فيما يتعلق بسحب القوات الأمريكية من سوريا.
الأمر المهم الآخر، هو أن الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، رفض استقبال نظيره التركى رجب طيب أردوغان قبل لقاء (2+2) يوم 29 ديسمبر الماضى فى موسكو. ووزير الخارجية الروسى وجه تحذيرا دبلوماسيا لأنقرة مفاداه، أن الاتفاق كان حول تواجد قواتها فى إدلب فقط، وقد قبلت دمشق بذلك بناء على توافقات "أستانا" و"سوتشى". ما يعنى أن أى عمليات عسكرية تركية فى سوريا ستكون بغير رضاء روسيا، وقد يتعرَّض أردوغان لضربات مختلفة من أكثر من طرف.
لقاء (2+2) فى موسكو، عقد خلف الأبواب المغلقة. وكان عاما ساخنا للغاية. وحاول الطرفان الروسى والتركى قدر الإمكان عدم إفساد تحالفهما التكتيكى الهش، على الأقل فى المرحلة الحالية. علما بأن روسيا أعلنت على لسان أكثر من مسؤول (بوتين ولافروف وزاخاروفا) أنها لا تفهم بعد ما معنى "المرحلة التالية" التى تحدث عنها ترامب، ولا تعرف الهدف من وراء إعلان سحب القوات الأمريكية! بينما ظهر يوميا خريجات مختلفة لهذا الإعلان الخبيث.
الطريف هنا، أن أردوغان أعلن أكثر من مرة خلال الفترة الأخيرة أن تركيا هى الدولة الوحيدة القادرة على لم شمل "العالم الإسلامى"، وهذه رسالة موجهة إلى الجميع، بما فى ذلك روسيا التى تفضل أن يكون هناك عالم إسلامى لكى يسهل التعامل معه، بصرف النظر عن صحة المصطلح أو خطأه، وإمكانية تحقيقه على أرض الواقع.
ولروسيا أهدافها فى إقامة هذا "العالم الإسلامى" ولو حتى شكليا أو بِلَى الحقائق والظروف! وفى كل الأحوال، روسيا "مغرمة" جدا بهذا المصطلح، وأنشأت له خصيصا الكثير من الأشكال والمنابر، بينما لا تستطيع أن تفعل ذلك مثلا مع أشكال مثل "العالم السلافى" أو "العالم الأرثوذكسى" أو "العالم الأرثوذكسى السلافى" الذى يمكن أن يجمعها مع أوكرانيا وبلاروسيا وصربيا فى دولة أو كيان دينى، أو دينى - قومى!
الأهم هنا، هو أن اتفاقية "لوزان" ستنتهى فى يوليو 2023، ويبدو أن أردوغان "يحلم" باستعادة أمجاد الإمبراطورية العرجاء، ويسعى من الآن، تحت ذريعة خطر الأكراد على دولته، تأكيد مواقعه فى شمال سوريا والعراق، وبالذات فى المناطق التى خرجت من تحت رداء الاحتلال العثمانى منذ حوالى قرن. وهو ما يحتم عليه الصدام مع قوى إقليمية، أو فى أحسن الأحوال الالتفاف عليها، وخداعها مثل ما يخدع شعبه، ويحاول خداع الأوروبيين بأنه "الخليفة المنتظر"، وأن تركيا هى الوصى التاريخى على تلك الدول التى كانت تابعة للأغا العثمانى قبل قرن من الزمان.
على الرغم من ثراء دول الخليج، ونفوذها المالى والإعلامى، إلا أنها لا تستطيع أن تواجه مشروع أردوغان، لأسباب كثيرة معروفة، منها ما يتعلق بتكوينها وبتحالفاتها، ومنها ما يتعلق بخبث القوى الكبرى، وتحالفاتها غير المقدسة التى عادة ما تفسد أى مشروعات وطنية، مثلما حدث مع مشروع محمد على، وتحالف إنجلترا وفرنسا، الذى لحقت به روسيا، لضرب الأسطول المصرى آنذاك.
وفى الحقيقة، فالدولة الوحيدة فى المنطقة، القادرة على مواجهة مشروع أردوغان، هى مصر. ولا غرابة أن أردوغان كان وما زال يناصر ويدعم ليس فقط تنظيم الإخوان، وإنما يدعم ويعزز كافة المشاريع التى تضعف القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر، لأنه يعرف جيدا أن حكم الإخوان، أو حكم أى جماعات دينية، سيساعده كثيرا على تحقيق أوهامه فيما بعد عام 2023.
فى كل الأحوال، فإن أردوغان، بنهجه السياسى وأوهامه الدينية والإمبراطورية، يصنع الكثير من الأعداء، شرقا وغربا، بحيث أصبح من الصعب تجاهل مصيره، وما يمكن أن يحدث لتركيا نفسها من جراء هذه السياسيات والتصرفات المغامرة.