أشرف الصباغ
ظل هذا الموقف يلازمنى سنوات طويلة، ولكن حياتى فى الاتحاد السوفيتى منذ عام 1987، ومن بعده روسيا الحالية ومعرفتى بالواقع هناك، وتغير العالم فى السنوات الأخيرة، ودخولى "التجربة" بمعناها الواسع والمقيت والقاسى، وتعرضى للعديد من الاختبارات والظروف القاسية التى تشكل الكثير من موضوعات سولجينيتسين وميلان كونديرا، وقراءاتى لكتابات ميلان كونديرا وتحليلاته الأدبية – الفنية المهمة، ورؤيته للعالم فى رواياته المغايرة للسائد من حيث البناء والبحث والطرح.. كل ذلك أحالنى مباشرة إلى مراجعة بعض أفكارى الطفولية.
لقد اكتشفت لنفسى كاتبًا كبيرًا، وعَاَلمًا، كان يمكنه أن يفزعنى ذهنيًا ونفسيًا فى الماضى عندما كان اليقين فى ذروته.. لكن هذا العَالَم أفزعنى الآن ولا يزال يثير فزعى، لأنه ببساطة لا يزال موجودًا، ولكن بمعايير أكثر خبثًا وانحطاطًا ودناءة.
لقد أعادنى سولجينيتسين إلى مقاربة أدبية تاريخية قد أحتاج لسنوات طويلة إلى فهمها وإدراكها، لقد دفعنى ببساطة إلى إعادة قراءة فيودور دوستويفسكى ونيقولاى جوجول وميخائيل زوشِّينكو بعيون أخرى أكثر إنسانية وعمقًا، ثم إلى جورج أورويل، ونجيب محفوظ، وخوسيه ساراماجو، وميلان كونديرا، وأومبيرتو إيكو.. إن أعمال هذه المجموعة من الكتاب شكَّلت ولا تزال تشكِّل، وستشكل لسنوات طويلة خارطة طريق مهمة لفهم ماذا حدث فى العالم خلال الفترة من منتصف القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك بقرون، حتى الآن.
وفى ما يتعلق بالكاتب الفرنسى من أصل تشيكى ميلان كونديرا، فقد يكون شخصية مثيرة للنفور، وفقا لشهادات بعض الذين تعاملوا معه، وأظن أننى أعرف الأسباب الحقيقية وراء هذا "النفور"، وغالبيتها أسباب نفسية لدى القارئ نفسه بالدرجة الأولى، وبعضها يعود إلى طريقة طرح كونديرا لموضوعاته الأدبية فى الروايات، أو لموضوعاته البحثية فى دراساته وكتبه المهمة.
قد نختلف مع كونديرا فى مواقف وآراء وأفكار كثيرة، لكنه كاتب عظيم وبحروف كبيرة، وأعماله فى غاية الأهمية كروايات وكتأريخ لمراحل اجتماعية - تاريخية فاصلة فى حياة المجتمع البشرى، وكبحث أدبى فى أرقى مستوياته وأعلاها تطورًا.
أعمال ميلان كونديرا مبنية على أسس معرفية - تراكمية تجمع بين الفنون والآداب والثقافات والمعارف فى وحدة واحدة من خلال سرد متقن يتسم بالذكاء والخفة الفنية والرقى.. لنراجع بعض أعماله مثل البطء أو الخلود أو خفة الكائن أو الضحك والنسيان، أو حتى حفلة التفاهة... كلها أعمال طرحت شخصيات مهمة ليس فقط من لحم ودم، بل وأيضًا بحضور اجتماعى - إنسانى - معرفى طاغ.
إن كونديرا ينبش ويحفر على شاطئ آخر مغاير تماما لذلك الشاطئ العادى والتقليدى والمبتذل الذى يريح الكتاب ويلبى بعض طموحاتهم المتواضعة، ويحقق للقراء الراحة النفسية ويؤكد لهم ما يعرفوه مسبقًا.
إنه يغوص فى أعماق العقل ليلمس تلك النقطة السوداء العميقة والبعيدة المرتبطة بما يعشش فى الأرواح من وسخ وانحطاط وقذارة، وهو يفعل ذلك بوقاحة فنية وسخرية مرة وفاضحة.
كتابات كونديرا تفضح العقل أولا، وتسخر من صورة هذا العقل المفضوح فى السياسة والأمن والصحافة والإعلام والثقافة والفكر، وفى الحياة، عبر شخصيات ترتبط بالذهن وتلتصق بالوجدان، وتصل إلى حد النموذج أو النمط.
وحتى إذا حدث، ونسى القارئ اسم شخصية، أو حتى نسى الشخصية وتَذَكَّر كلامها أو رؤاها، فإن ذلك يؤكد مجددًا أن عالم كونديرا فى غاية الاتساع والعمق وله خصوصيته ومفاتيحه.
كل ما فى الأمر، أن على القارئ أن يجهد نفسه قليلاً ويمتلك حدًا أدنى من المعرفة والمنهجية واتساع الرؤية لكى يستطيع أن يحاور ما يكتبه كونديرا، ويحاور شخصياته، ولكى يستطيع أن يزيح طبقة الثقافة والسخرية ويصل إلى جوهر الشخصيات ومغزى حركتها وعلاقة كل ذلك بالنفس البشرية وما يدور داخل الروح نفسها.
وقد أكون متفقًا تمامًا مع الباحث والمترجم المصرى المقيم فى فرنسا، صالح راشد، الذى يرى أن "كونديرا مواز لبريخت فى كشفه لتقنيات اللعبة الروائية بأن صنع ثقوبًا كاشفة بين الروائى والراوى وتحرك بينهما محتفظًا بخيوط تربط القارئ وتحتفظ به شبه مندمج شبه واع".
من الطبيعى أن تكون أعمال كونديرا، والروائية بالذات، محل خلاف دائم لأسباب كثيرة أوردنا بعضها أعلاه. كما أن عالمه، مثل أى عالم ثرى متعدد الطبقات والقراءات، فى موضع بحث دائم، وخلافات إبداعية وبحثية متواصلة.
وفى كل الأحوال، فكونديرا نفسه له ملاحظات سلبية على كل من دوستويفسكى وأورويل، والعكس بالنسبة لليف تولستوى وفرانز كافكا، مثلا. فهو، أى كونديرا، يرى أن "النوافذ مفتوحة وتطل على منظر طبيعى فى رواية كافكا.
وفى روايات تولستوى فهى تطل على العالم، حيث يحافظ الأبطال فى أفظع اللحظات على حرية القرار التى تعطى للحياة عدم التكهن السعيد الذى يعتبر مصدر الشعر"، ولكن روايات كونديرا تطل على العقل فى ذروة تناقضاته رغم تعدد احتمالات الوجود وإمكانية تغيير الحياة، وتسخر من تلك القدرة الوهمية البائسة، وذلك اليقين الأكثر بؤسًا، لكائنات مثيرة للضحك بقدر ما هى مثيرة للغثيان.
إن أحد أهم موضوعاته الحيوية فى رواياته، هو دعوة الإنسان لأن يظل إنسانًا مهما كان ضعفه ومهما كانت تناقضاته وعيوبه.