البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
يمثل كاتبنا نجيب محفوظ، بأعماله وبشخصه وبأسلوب حياته، قيمة مطلقة من حيث الرأسمال الثقافى "cultural capital"، لما يمثله من قوة ناعمة تحتاج دوما إلى التجديد والدفع والاستثمار والتشغيل.

ولكنه من جهة أخرى يمثل قيمة أدبية متحركة (نسبية) من حيث الإبداع والنقد، وذلك من أجل أن يبقى قيد البحث والكشف، ويظل مادة فعالة وحيوية للباحثين والنقاد، وقيمة إنسانية وإبداعية للقراء بشكل عام، ولطلاب المدارس والجامعات والأجيال الشابة بشكل خاص.

نجيب محفوظ ليس مجرد كاتب مصرى حصل على جائزة نوبل، ولكنه مفكر مصرى استطاع أن يختزن جانبا من حكمة المصريين وصبرهم ودأبهم، وتَمَكَّن من اختزال آلاف السنين من عمر شعبه ليحولها من حالة التأمل والإيمان إلى حالة الفعل والغوص فى أعمق أعماق المناطق المجهولة فى روح الأمة المصرية.

تختلف أو تتفق مع نجيب محفوظ، ولكنه قيمة مصرية مطلقة مثل الأهرامات وأبى الهول وميدان التحرير ومينا وأحمس ورمسيس وحتشبسوت وأم كلثوم وطه حسين وأحمد زكى وسيد درويش وداليدا وهند رستم وجمال حمدان والنقشبندى وحداد وچاهين ومجدى يعقوب وتحية كاريوكا وحورس وإيزيس، عرف قيمة مصر، وأدرك أبعد وأعمق النقاط المظلمة والمضيئة فى أرواح المصريين ونفوسهم، وترجم معرفته بمصر والمصريين إلى حالة إدراكية تتميز بالخصوصية الحصرية من جهة والعمومية الإنسانية بكل تجلياتها وتناقضاتها من جهة أخرى، وتنطلق من أعماق التاريخ والميثولوجيا وجغرافيا الروح البشرية الأولى.

قال لى نجيب محفوظ فى صيف عام 1987، وقبل حصوله على جائزة نوبل بعدة أشهر: "كنتُ أشعر بحاجة إلى الكتابة كحاجتى إلى الطعام. وبالفعل، كانت تحدث لى عملية تشبع أو إشباع، وفى ضوء ذلك، أرى أن الكتابة فى سرها الأول نوع من الجوع النفسى والإشباع".

وأضاف الكاتب الذى كان يقف على أعتاب نوبل من دون أن يدرى: "مع مرور الوقت والنضج، تتراكم أغراض وأهداف أخرى لعملية الكتابة، مثل ما تطرحه الحياة من أسئلة، يجيب عن بعضها الإنسان، وينفر أو يهرب من بعضها الآخر، وعندما تسأل الأديب، فى سن متأخرة، هذا السؤال، يجيب إجابة غير دقيقة، فيضيف بأنه يقاوم الظلم ويدافع عن المظلومين، ويدعو إلى الحب والعدالة والحرية، والواقع أنه عشق الكتابة قبل أن يعرف معنى هذه الكلمات، ومن ثم، عندما تأتى هذه الأهداف والأغراض، تكون حقيقية، وتصبح فعليا من الدوافع للكتابة، وبالتالى، تصير إشباعا روحيا".

لقد أقاموا متحفا لكاتبنا نجيب محفوظ، ومن المنطقى أن يكون هذا المتحف حلقة ضمن سلسلة متاحف تضم تراث طه حسين وتوفيق الحكيم وأم كلثوم وسيد درويش وبليغ حمدى وسيد مكاوى وفؤاد حداد وصلاح جاهين وشادية وعشرات العقول والأرواح المصرية الجبارة التى أسست رأسمالنا الرمزى، أو رأسمالنا الثقافى، وساهمت فى مضاعفته، وهو ما ينبغى استثماره وتصريفه كقوة ناعمة حية وفعَّالة وقابلة للصرف فى كل الأوقات والظروف، وخاصة فى أزمنة الكساد والأزمات، وهذه إحدى أهم فوائد رأس المال الرمزى ليس فقط لخزينة الدولة، بل وأيضا لرصيد الروح المصرية المتراكم عبر آلاف السنين، وعبر حضارات وثقافات مختلفة ومتنوعة، وربما أيضا متناقضة.

إن متاحفنا الحديثة، التى تضم قاماتنا وقيمنا وأرصدتنا الثقافية، يجب أن تكون على نفس مستوى متاحفنا التى تضم جوانب من حضارتنا المصرية القديمة، وذلك من حيث التجهيز والإعداد ونوعية المادة وحجمها وطريقة عرضها والاهتمام بها واستخدام التقنيات الحديثة فى التعامل معها ومع الزائرين والمريدين، لكى لا يحدث أى قطع مرة أخرى، فمتاحفنا، على الأقل، يجب أن تكون بنوكنا الحديثة لتشغيل وتصريف رؤوس أموالنا الرمزية وفوائضنا الثقافية والتاريخية والمعرفية.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز