الدكتور أشرف الصباغ
بل وذهبوا إلى أنه مجرد كاتب تصويرى بعيد عن الشعب بعده عن نخبة الموهوبين والمفكرين، ومُدَوِّن تواريخ الناس المملين الكئيبين والصراعات عديمة الجدوى، وأنه كاتب لا يمتلك هدفا عظيما، وليس لديه فلسفة عامة.
أما الذين كانوا يقفون على الجانب الآخر، بمن فيهم جيل الرمزيين الشباب، فقد مدحوا تشيخوف وعظموه لأسلوبه فى طرح الإشكاليات الوجودية المتمثلة فى طباع ومصائر الناس البسطاء، ولربطه العام الكلى بالخاص التفصيلى والدقيق، ولدقته التفصيلية فى رسم وتصوير حياة إنسان ما.
لقد مدحوه وعظموه على عالمه، أو على "صيدليته التشيخوفية المدهشة" التى لا نعرف كيف بناها وأسسها، والتى يختلط فيها البعيد بالقريب، ويمتزج فيها الكبير بالصغير فى وحدة كلية غير مجزَّأة. إذ أن النص التشيخوفى يقترب من الرواية إلى حد كبير من حيث إلمامه بالخصائص الواقعية، وكثيرا ما تم تفسير ذلك بأنه بقدر ما هو نتيجة لخصائص أسلوب الكاتب، بقدر ما هو نتيجة للخصائص البنائية للدراما التشيخوفية من حيث تشبع النص بها إلى درجة قصوى، واختصارها المتناهى للزمن الفنى، إلا أن المدى العام لهذه الدراما يقدم بشكل حقيقى المنهج الخاص بالكاتب تجاه الواقع (فى حالة تشيخوف يعتبر هذا المنهج غير روائى على الإطلاق)، حيث أن الخصائص والعلاقات المميزة لنصوصه المسرحية (القوانين الإنشائية للبنية الفنية) هى التى تعطى لها العالمية والعمومية والمعانى الفلسفية.
باختصار، فمصادر التناقض الموجودة فى المقالات النقدية حول تقييم أعمال تشيخوف يمكن أن تكون مختلفة، ولكن اختلاف هذه الروايات يمكن أن يكون له طبيعة ازدواجية معقدة مرتبطة بالصراع الدرامى، وبالتالى، يمكن تناول هذا الصراع والنظر إليه بشكل تقليدى فى حدود منظومة الشخصيات، ومع أن ذلك يعتبر أقل مستوى للصراع، إلا أنه لا يجب التقليل من أهميته لبناء النص المسرحى.
ولذلك فحتى لو تم الاتفاق على أن النصوص المسرحية لتشيخوف قد كُتِبَت مناقضة لجميع القواعد، فهذا يعنى بالفعل أن هناك قواعد ما موجودة فيها، ولو حتى كموضوع للنفى، وعلى هذا المستوى، المرتبط بالدرجة الأولى بالصراعات المباشرة للشخصيات، يمكن رصد لحظتين، الأولى، مرتبطة بالخصوصية - النمذجة – الاجتماعية، والثانية، مرتبطة بمستوى الخلاف - الصراع – الاجتماعى، ومن المعروف أن تشيخوف قد أعطى رأيه بصراحة فى الأكليشيهات القصصية المحسوبة، والتى رأى فيها قبل كل شئ نزعة فكرية لا تمت بأية صلة إلى قضايا وإشكاليات الأدب.
فى واقع الأمر، فقد ركز تشيخوف كل اهتمامه على المشاكل والقضايا النهائية - الجوهرية فى الحياة، مثل نهاية الوجود الإنسانى، ونسبية المعرفة، والمأساة فى العلاقات العاطفية، وهذا فى الواقع ما يميز ويحدد المستوى الثانى للصراع عنده، وهو صراع روحى بالدرجة الأولى يتضمن فى داخله مجموعة كاملة من المعارضات والتناقضات، علاوة على أنه لا يؤدى فى أى حال من الأحوال إلى أى من تلك التناقضات الروحية عند الكلاسيكيين أو الرومانسيين (والحديث يدور هنا حول التناقضات الروحية التى أصبحت بشكل تاريخى أساسية مثل الواجب - العاطفة عند الكلاسيكيين، والحلم - الواقع عند الرومانسيين).
إن الفكرة الأساسية عند تشيخوف هى التناقض الواضح بين مجموع التصورات الإنسانية عن الحياة، بل وحتى يمكن القول بين الخبرة الحياتية للإنسان، وبين حياته نفسها، مما يجعل منهج تشيخوف مرتبطا بمذهب العبث فى القرن العشرين، فقد كان ينظر إلى الموقف الحياتى العادى والمألوف كموقف استثنائى طارئ، وتبدو لديه الأحداث فى سيرها غير القابل للعودة إلى الوراء واضحة وعادية بدرجة كبيرة، بل وفيها بعض القسوة مثل فشل وانهيار البدايات الإبداعية والمواهب أمام قهر الواقع المؤلم.
وبشكل عام فالبحث عن مَخْرَج من المواقف المعقدة يؤدى بالبطل التشيخوفى إلى الاصطدام بالأسئلة والقضايا النهائية - الجوهرية للوجود، وكذلك حالة العالم وعلاقات الأبطال به والتى تبدو كبحث عن مواقعهم فى الحياة، وفى هذا العالم، وكمحاولة للاتصال والتواصل مع القوانين الإلهية المُنَظِّمَة للكون، كلها فى مجملها تُكّوِّن جوهر النص المسرحى التشيخوفى.
وعليه فالمستوى الثانى للصراع ليس ببساطة عبارة عن كتلة أو خليط من التناقضات بين الناس على الأرضية الاجتماعية الفلسفية أو الأخلاقية، وإنما يعكس هذا المستوى علاقة الأبطال بالواقع نفسه فى جميع صوره المختلفة، وفى كُلِّيته ووحدته أيضا، فالعالم يرمز من ناحية إلى الجماعة المحددة بأطر وظروف معيشية معينة، ومن ناحية أخرى هو المجرة بالكامل، أى اليابسة والسماء والناس والحيوانات والنباتات، ومن خلال خط البطل - العالم (فى مساره الاجتماعى الفلسفى) فى وعينا، يضع الكاتب فى آن واحد نموذج البطل ونموذج العالم، ومن هنا تصبح قضايا بناء العالم غير منفصلة على الإطلاق عن قضايا الوعى والتصورات الإنسانية.