البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
يتصالح العديد من الساسة، والخبراء الغربيين تدريجيًا مع نتائج السياسات الروسية فى الشرق الأوسط، وهو الأمر الذى كانوا يعتبرونه حتى وقت قريب من رابع المستحيلات.

الخبير السياسى، ستيفن كوك، الباحث فى دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكى، والذى يكتب عن شؤون الشرق الأوسط فى العديد من الصحف، منها Foreign Affairs، وForeign Policy، وThe Atlantic"، أحد أولئك الذين اعترفوا أخيرا بالخطأ فى تقدير توجهات السياسة الخارجية الروسية فى الشرق الأوسط، وبعدم دقة التقديرات الغربية فى التعامل الواقعى مع مصالح روسيا وقدراتها.

يرى الباحث الأمريكى أنه منذ اليوم الذى صار فيه فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا، قام بتنفيذ خطة ما، فبينما كان الأمريكيون منشغلين بأفغانستان، والعراق، وحل الصراع العربى - الإسرائيلى، والتخفيضات الضريبية، وترويج الديمقراطية فى الشرق الأوسط، وشهادة ميلاد أوباما، وحركة حزب الشاى، ووضع حدٍ للديون، وإغلاق الهيئات الحكومية، وقانون الرعاية الصحية، أعادت روسيا بناء إمكانياتها العسكرية، كما أعادت التفكير فى عقائدها فى الحرب والقتال.

وفى الوقت ذاته، سعى بوتين لإعادة بناء هيبة موسكو العالمية، مستغلًا فى الأغلب الخطوات الأمريكية الخاطئة، داخليًا وخارجيًا، لتقديم بديل، الأمر الذى أتاح للروس فرصةً للبدء فى بناء مناطق نفوذ جديدة.
ويتساءل الخبير الأمريكى: ما الذى يعنيه كل ذلك فى الشرق الأوسط؟

ويرى أنه لم يمر وقت طويل على الفترة التى كانت فيها الولايات المتحدة هى القوة المهيمنة فى المنطقة، وفى مجالاتٍ عدة، لا تزال الولايات المتحدة هى القوة المهيمنة، وذلك بالنظر إلى استمرار النفوذ الدبلوماسى، والعسكرى، والتجارى لواشنطن، خصوصًا فيما يتعلَّق بمبيعات الأسلحة.

ومع ذلك، أعادت روسيا بناء نفسها كقوة فى المنطقة فعلى أقل تقدير، تُدرِك دول الخليج الموالية للولايات المتحدة بصورة واضحة أن عليها الآن أن تضع المصالح والأهداف الروسية فى حسبانها، وهذا أمرٌ لم تكن ترى له أى ضرورة طوال السنوات الـ 25 الماضية.

ستيفن كوك يرى أن الولايات المتحدة وحلف الناتو لم يتصرفا بشكل منطقى أو عملى منذ انهيار الاتحاد السوفيتى، وهو الأمر الذى أثار غضب موسكو. 

فمنذ تلك اللحظة التاريخية، ولزيادة الطينة بلة، وفقا لتعبير الكاتب، توسَّع حلف الناتو شرقا، وتصرَّفت الولايات المتحدة فى العالم موليةً اهتمامٍ واحترامٍ قليلين للمصالح الروسية، فى حين قوَّضت الثورة البرتقالية بأوكرانيا القيادة المؤيدة لموسكو هناك لصالح مَن كانوا يتطلعون للغرب، فمن وجهة نظر روسية، بدا هذا كله مخططًا أمريكيًا غامضاً لمحاصرة موسكو وزعزعة استقرارها والتقليل من احترامها.

ينطلق ستيفن كوك من هذه الأرضية إلى نجاحات روسيا وسياساتها الخارجية فى منطقة الشرق الأوسط، ولكنه يؤكد على جملة من العوامل التى تشكِّل خطأ أو عدم دقة فى التقدير من جانب الخبراء والمحللين الغربيين، وإذا تجاوزنا رؤية الخبير الأمريكى لموضوع القرم، وأزمة منطقة دونباس فى شرق أوكرانيا، فهو يرى أن التحليلات والتقديرات الغربية لتصرفات الآخرين يجانبها الصواب، وينقصها أخذ "الأفكار" بعين الاعتبار، نظرا لأنها تمثل عاملا مهما للغاية.

ويعتقد الخبير الأمريكى ستيفن كوك أن هذا هو السبب وراء استهانة المحلِّلين الغربيين والأمريكيين بأهداف روسيا، خصوصًا فى الشرق الأوسط، الأمر الذى لا يصب فى صالحهم.

وحتى عندما أصبح تفكير موسكو الاستراتيجى واضحاً خلال السنوات الأخيرة، استمر الشعور الغالب بين خبراء السياسة الخارجية الأمريكية هو أن خطط الكرملين فى المنطقة كان مُعداً لها، وأن نجاحات المنطقة كانت نتيجة حماقات وليس نتيجة ذكاء.

ويذهب كوك إلى الاعتراف بأخطاء أخرى، إذ يرى أن هناك جانبا آخر للأمر، حيث توجد "افتراضات" بأن الرئيس الروسى ليس لديه خطة أوموارد كثيرة، وهذه الافتراضات هى التى تسببت فى سلبية الولايات المتحدة والغرب، الأمر الذى فى المقابل فتح المجال لفرص جديدة أمام الروس.

إن كوك يرصد تحولات ملموسة فى مواقف بعض القوى الإقليمية فى الشرق الأوسط، ويرى أن جزءًا كبيرًا من هذا التحول فى ديناميات القوة يرجع إلى دخول القوات الجوية الروسية إلى سوريا، و"هى العملية التى اعتقد عددٌ لا بأس به من المُحلِّلين الغربيين "بمن فيهم ستيفن كوك نفسه" أنها ستكون قصيرة الأمد، وغير فعَّالة، وذات آثار سلبية على الجيش الروسى"، وفقا لاعتراف الخبير الأمريكى، الذى يرى أيضا أنه "بقدر ما برهنت موسكو على مكرها، فقد حقَّقت أيضا عددا من الأهداف المهمة.

إذ بعث الروس بإشارة مفادها أنهم سيقفون إلى جانب حلفائهم، الأمر الذى أبرز التمايز بين موسكو وواشنطن، التى يعتقد الكثيرون فى المنطقة أنها باتت عاجزة عن ذلك"، وأرغم الروس أيضا حلفاء مهمين للولايات المتحدة، مثل تركيا وإسرائيل، على اللجوء لروسيا نتيجة رغبة أولئك الحلفاء فى تحقيق أهدافهم فى سوريا.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز