البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
تبدو التصريحات الروسية بشأن السجال التجارى بين الولايات المتحدة والصين فى غاية السخونة، وكأن روسيا هى الطرف الأساسى فى هذه المعركة، أو المعنى الأول بهذا السجال.

إن موسكو تطلق تصريحات فى غاية السخونة، مدافعة عن الصين، وكأن الأخيرة قد أعلنت إفلاسها للتو، أو تشرع فى الإعلان عن انهيار اقتصادها وتسليم مؤسساتها للمحاكم والمؤسسات الدولية، واللافت للاهتمام أن التصريحات الصينية فى غاية الهدوء والعقلانية والحكمة، وتفادى الوقوع فى فخ التسخين الروسى الذى يمكن أن يدفع بالصين إلى مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة.

لقد أسفر لقاء القمة الصينى – الروسى الأخير عن نتائج أقرب إلى الاستعراضات الإعلامية، ولاحظ الجميع أن روسيا تحاول سحب الصين على أرضية العداء للولايات المتحدة باعتبار أن الأخيرة عدوة لكل من موسكو وبكين، وبالتالى، فهما تواجهان عدوا مشتركا، هذا إضافة إلى أن الدولتين، أو بالأحرى روسيا بالدرجة الأولى، تتحدثان عن شراكات استراتيجية، وشراكات كونية، وشراكات تاريخية، ولكن عندما يقترب الحديث من تحالف عسكرى، تنأى الدولتان بشكل سريع ولافت عن أى حديث فى هذا الموضوع. وهو ما يعكس فوارق كبيرة وافتراقات كثيرة بين البلدين، ويؤكد أن ما يجمعهما أقل بكثير من ما يفرقهما، وأن طموحاتهما تتعارض مع بعضها البعض على المديين المتوسط والبعيد، وليس مستغربا أن بكين لم تعترف بانضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، كما لا تؤيد روسيا مطالب الصين بالجزر المتنازع عليها فى بحر الصين الجنوبى وبحر اليابان.

لقد أعلنت روسيا بفخر شديد أن حجم التبادل التجارى مع الصين وصل إلى 108 مليار دولار سنويا، ولكنها تجاهلت تماما أن حجم التبادل التجارى بين الصين والولايات المتحدة، فالميزان التجارى بين الولايات المتحدة والصين يميل لمصلحة الأخيرة، التى تجاوز فائضها التجارى مع الولايات المتحدة 375 مليار دولار فى عام 2017، مع العلم أن حجم التبادل التجارى بينهما كان قد بلغ 600 مليار دولار فى عام 2016.

وقد وصلت صادرات الولايات المتحدة إلى الصين فى عام 2017 إلى 116.2 مليار دولار، بينما بلغت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة نحو 492 مليار دولار فى العام ذاته، كذلك وصلت الاستثمارات المباشرة بين الصين والولايات المتحدة فى عام 2017 إلى ستين مليار دولار، وبلغت حصة الاستثمارات الصينية فى الولايات المتحدة نحو 46 مليار دولار، فى حين لم تتجاوز قيمة الاستثمارات الأمريكية فى الصين 14 مليار دولار.

هذه الأرقام لها دلالات خطيرة ومهمة، تحاول الدعاية الروسية التعتيم عليها لأهداف قصيرة النظر، ولكن الصين لا تسعى للتصعيد، وتتصرف بهدوء، مبتعدة عن المشاكل، وكما يقول الأستاذ المساعد بجامعة الصين فى هونج كونج، ويلى لام، إن "الاقتصاد الروسى صغير للغاية بالمقاييس العالمية. فنسبة 1.9% فقط من الصادرات الصينية، تذهب إلى روسيا".

حاولت روسيا أيضا استثمار أزمة شركة "هواوي" بين الصين والولايات المتحدة، وأطلقت حملة دعاية واسعة النطاق للدفاع عن الشركة الصينية، وإعطاء انطباع بأن حربا إلكترونية ورقمية، هى الأولى فى التاريخ، تندلع بين بكين وواشنطن، وأن الأولى سوف تتوجه إلى السوق الروسية، والتقنيات الروسية الرفيعة، كبديل للولايات المتحدة. وبطبيعة الحال، التزمت الصين بالهدوء والصمت ولم تعلق إطلاقا على التصريحات والتسريبات الروسية التى تصب الزيت على النار وتدق الأسافين بين واشنطن وبكين.

المعروف أن روسيا لديها مشاكل كثيرة فى مجال التقنيات الدقيقة، وهناك حظر مفروض عليها من الغرب فى هذا المجال منذ عهد الاتحاد السوفيتى السابق، حتى فى شهر العسل بين موسكو وواشنطن، لم يتم رفع هذا الحظر لا من جانب الولايات المتحدة ولا من جانب حلفائها الأوروبيين، كما أن روسيا لديها مشاكل كثيرة فى الصناعات التحويلية، وهى لا تملك عمليا مجالا للصناعات التحويلية يمكن الحديث عنه بجدية، حيث لا تزال تعتمد على تصدير الخامات (النفط والغاز والأخشاب والقمح)، ومنذ عدة سنوات أعلنت روسيا عن صناعة أول هاتف روسى محمول، واتضح أن النتائج كانت فى غاية التواضع، وأغلقوا هذا الموضوع، ومع ذلك فموسكو تعلن بين والحين والآخر عن منظومات دفاع جوى جديدة وصواريخ باليستية وغواصات نووية قادرة على إبادة أعداء روسيا.

بالعودة إلى أزمة "هواوى"، فقد بدأت روسيا بتسريب عشرات، بل مئات الأخبار، المتناقضة فى حملة واسعة النطاق تتوخى أكثر من هدف، إلى أن وصل الأمر إلى أن هذا الموضوع بُحِثَ ليس فقط بين وزير الرقمنة والاتصال الروسى قنسطنطين نوسكوف وبين المدير التنفيذى لشركة "هواوي" الصينية جو بينج، بل وأيضا بين الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ونظيره شى جين بينج، والمسألة تتلخص فى "إمكانية انتقال الهواتف الذكية الصينية إلى نظام التشغيل الروسى أفرورا"، وهو نظام لا يستعمله أحد أصلا حتى فى روسيا.

تقول حملة الدعاية الروسية إن المحادثات مستمرة بشأن تحميل نظام التشغيل الروسى "أفرورا" المصمم على أساس نظام التشغيل الفنلندى Sailfish على الهواتف الذكية الصينية التى تستخدم حاليا نظام التشغيل "أندرويد" الأمريكى الصنع وتسجيل جزء من أجهزة "هواوي" فى روسيا.

والمعروف أن Sailfish هو نظام تشغيل صممته شركة Jolla الفنلندية التى اشتراها عام 2014 الملياردير الروسى وصاحب شركة "روس تليكوم"، جريجورى بيريزكين، الذى اتفق بدوره مع وزارة الاتصال الروسية على تصنيع نظام التشغيل المنقول القومى الروسى، غير أن انتقال المؤسسات والشركات الحكومية إلى نظام التشغيل "أفرورا" (Sailfish ) سيتطلب رصد 160 مليار روبل (نحو 2.6 مليار دولار) من أموال الدولة.

وتأمل الحكومة الروسية أن ينتقل نحو 8 ملايين مستخدم روسى إلى نظام التشغيل هذا بحلول عام 2021!! أى أن الحديث يدور حول أحلام نظرية غير قابلة للتحقيق، لأن المسألة ليست بكل تلك البساطة التى تروِّج لها وسائل الدعاية الروسية، وكأن أى شخص عابر، أو أى مؤسسة اشترت نظام تشغيل ما، يمكنهما الشروع فى العمل فى سوق التقنيات والرقميات والرقمنة، وكان الأولى بشركة "هواوى" أن تفعل ذلك، وليس مجرد شركة روسية صممت برنامجا عل أساس نظام شغيل فنلندى مرتبط بالتقنيات والرقميات الغربية أصلا!!

إن أزمة "هواوى" لا علاقة لها بما أشيع بأنها ابتكرت شبكات الجيل الخامس (G5)، وسوف تستخدمها فى التجسس على أمريكا، كل ذلك يتجاهل وجود تلك الشبكات فى الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، وأن هذه الدول الثلاث تجهز أصلا للعمل مع شبكات الجيل السادس (G6)، إن أزمة "هواوى" جزء من أزمة أوسع بين الصين والولايات المتحدة، وهى أزمة قابلة للتفاوض وللحل، وهو ما يجرى عمليا بين دولتين لهما مصالح واسعة النطاق ولديهما ميزان تبادل تجارى جبار، ولكن روسيا تحاول إدارة "المعركة" بين الولايات المتحدة والصين على طريقة "صب الزيت على النار" تارة، و"كوهين ينعى ولده ويصلح ساعات" تارة أخرى.

 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز