البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
تواصل إسرائيل سياساتها العسكرية المتمحورة حول توجيه ضربات لمواقع داخل الأراضى السورية، بعد كل لقاء مع مسؤولين روس، أو بعد أى لقاء تشارك فيه روسيا.

فى 25 يونيو الماضى التقى سكرتير مجلس الأمن القومى الروسى نيكولاى باتروشيف والمستشار الرئاسى للأمن القومى الأمريكى جون بولتون، ورئيس مجلس الأمن القومى الإسرائيلى مائير بن شبات فى القدس، وكالعادة، ظهرت التحليلات والتنبؤات والتكهنات التى حَمَّلَت أجندة اللقاء كل تفاصيل الكرة الأرضية ومشاكلها وأزماتها، وكان الأمر أبسط بكثير من كل ذلك.

وأكد سكرتير مجلس الأمن الروسى نيكولاى باتروشيف رفض موسكو أى ضربات إسرائيلية على سوريا، داعيا تل أبيب للتنسيق مع موسكو، وشدد فى الوقت نفسه على التزام موسكو بضمان أمن إسرائيل، وفى تعليقه على آليات التسوية السورية، قال: "توافقنا فى معظم امسائل حول التسوية السورية (مع بولتون وبن شبات) حول كيف نريد أن نرى سوريا فى نهاية المطاف، ويتعين علينا إجراء حوار حول كيفية قيامنا بهذا الأمر"، بينما شدد مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون على ضرورة مغادرة القوات الإيرانية للأراضى السورية.

أما الكرملين، فقد أعلن التوصل لعدد من الاتفاقات الهامة بشأن سوريا يمكن استخدامها كأساس للتواصل بين الرئيسين الروسى والأمريكى، ولكنه لم يحدد جوهر هذه الاتفاقات ولا مضمونها، واعتبر أنه يمكن النظر إلى اجتماع القدس، بشكل عام، فى سياق التحضير للمحادثات المزمع عقدها بين الرئيسين الروسى فلاديمير بوتين والأمريكى دونالد ترامب فى أوساكا على هامش قمة الدول العشرين، أى بعد ثلاثة أيام من هذا الاجتماع.

كان من الواضح أن كل طرف يتحدث فى اتجاه مختلف عن الآخر، بل وكان الهدف من هذا الاجتماع الثلاثى هو التحضير للقاء بين الرئيسين الروسى والأمريكى على هامش قمة العشرين، وبالفعل جرى لقاء بين بوتين وترامب لمدة ساعة، لكن الغريب والمثير للتساؤلات أن وسائل الإعلام والخبراء رؤوا مجددا أن هذه الساعة اتسعت لجميع مشاكل وأزمات الكون. واتضح أن الرئيسين تناولا بعض رؤوس الموضوعات بشكل بروتوكولى، ولم يحدث أى اختراق فى أى ملف، أى كانت النتائج مثل نتائج لقائهما فى فنلندا، وفى غيرها من الدول والفعاليات الأخرى، ومن الواضح أن الولايات المتحدة لا ترى ضرورة بعد للجلوس مع روسيا لبحث أى ملف أو أزمة بشكل فعال وعميق، أو إشراكها فى أى ملف، سوى تلك الملفات التى يُطْلَب فيها دور روسى محدد، وعلى الرغم من احتياج واشنطن لموسكو فى عدد من الأدوار، من بينها كبح تنامى القوة النووية الصينية، وإخراج إيران من سوريا، واستنزاف تركيا، إلا أنه يبدو أن الوقت لا يزال مبكرا لتحقيق حلم موسكو بأى شراكة إقليمية مع واشنطن.

بعد الاجتماع الثلاثى فى القدس وقمة العشرين فى أوساكا، قامت إسرائيل، فى الأول من يوليو الجارى، بقصف ما لا يقل عن 10 أهداف فى محيط العاصمة السورية دمشق، وهى الفرقة الأولى بمنطقة الكسوة جنوب العاصمة دمشق، ومقرات فى اللواء 91 جنوب دمشق، ومركز البحوث العلمية فى جمرايا ومنطقة صحنايا بريف دمشق، كما طال القصف الإسرائيلى مواقع فى بلدتى قارة وفليطة فى القلمون الغربى، واستهدفت الطائرات الإسرائيلية أيضا مركز البحوث العلمية فى قرية أم حارتين بريف حمص الغربى، ومطارا عسكريا بريف حمص الجنوبى، ومن المعروف أنه يتواجد فى تلك المواقع عناصر من القوات والمليشيات التى تدعم قوات بشار الأسد.

وكالعادة خرجت وسائل الإعلام السورية لتؤكد أن منظومات "إس 200" قامت بتدمير 6 صواريخ إسرائيلية، ولكن القصف أسقطت 4 قتلى وأكثر من 20 جريحا، ولم يتحدث أحد عن وجود منظومات "إس 300" الروسية فى سوريا، أما رد موسكو حليفة دمشق والتى تمتلك قاعدتين عسكريتين فى سوريا، فقد كان متسقا للغاية مع سياسات روسيا وتوجهاتها، سواء فى علاقتها بسوريا أو بإسرائيل، إذ قال وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف إن "روسيا تدرس الضربة الإسرائيلية، التى استهدفت مواقع فى سوريا، وتدعو إلى احترام القوانين الدولية".

هذا الرد أثار غضب البعض، ودفع البعض الآخر لإظهار عدم الفهم، ولكن المسألة بسيطة للغاية، وتتلخص فى أن روسيا ليس لديها أى تحالف استراتيجى لا مع سوريا ولا مع إيران. فهى متحالفة مع الأولى فى "مكافحة الإرهاب" فقط، ومقابل ذلك، أقامت قاعدتين عسكريين، وأصبحت تتحكم فى عدد من الملفات والمواقع الاستراتيجية فى سوريا وتطل بقوة على البحر المتوسط، وهى أيضا متحالفة مع إيران عبر درجات محددة من التنسيق باعتبار الأخيرة قوة مقبولة من النظام السورى، عدا ذلك، فعلى كل طرف أن يدبر أموره، أو يلجأ للمزيد من التنازلات مقابل حمايته والدفاع عنه. ولكن ماذا يمكن أن يقدم الأسد أكثر مما قدمه ويقدمه؟! وماذا يمكن أن تقدم إيران لروسيا أكثر مما قدمته وتقدمه؟! وماذا تريد موسكو أصلا، وبالضبط، من كل من دمشق وطهران؟!

من جهة أخرى، يتساءل الكثيرون عن منظومات "إس 300" الموجودة بحوزة قوات بشار الأسد، ولكن لا أحد يجيب على هذه التساؤلات، وخاصة بعد تصريحات الروس والسوريين بأن هذه المنظومات سوف ترعب إسرائيل وتمنعها تماما من مغامراتها فى سوريا، وفى الحقيقة، فقد أعلنت روسيا أنها زودت الأسد بنظام دفاع جوى متطور بعد إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية بنيران صديقة فى سبتمبر 2018، ورأت موسكو أن منظومات صواريخ "إس 300" ستؤدى إلى "تبريد الرؤوس الحامية" فى المنطقة، مشددة آنذاك على أنها زودت دمشق أيضا برادارات وأنظمة استهداف ومراكز قيادة!

ووفق تقارير غربية، فإن روسيا استكملت نصب جميع بطاريات منظومة صواريخ "إس 300" فى منطقة مرتفعة ببلدة مصياف الواقعة شمال غربى سوريا، وأظهرت صور الأقمار الصناعية فى 19 فبراير الماضى أن 3 بطاريات من أصل أربع نصبت بالكامل هناك، كما أظهرت صور حديثة أن البطارية الرابعة أخذت مكانها هى الأخرى، وذلك بعد 9 أشهر من قيام روسيا بتزويد سوريا بهذه المنظومات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز