د.رانيا أبو الخير
كان يجب على البرلمان الأوروبى إذا أراد أن يقيم أوضاع الديمقراطية وفقا لمفاهيمها الغربية أن يلتفت إلى ما جرى فى الولايات المتحدة الأمريكية التى شهدت تراجعا كبيرا فى مؤشر الديمقراطية طبقا لتقدير وحدة المعلومات الاقتصادية (EIU) فى رصدها لمستوى الديمقراطية الأمريكية والتى خلصت فى مؤشرها المعروف باسم "مؤشر الديمقراطية" إلى القول: إن الديمقراطية فى الولايات المتحدة تراجعت من مستوى الديمقراطية الكاملة إلى الديمقراطية المعيبة.
صحيح، هذا المؤشر صدر فى يناير 2017، إلا أن ذكره اليوم فى ظل الأحداث التى وقعت فى الولايات المتحدة ما بعد الانتخابات الرئاسية، يعطى دلالة هامة على أن التراجع مستمر، إذ يتسم الواقع اليومى للسياسة الأمريكية بحالة من الاستقطاب السياسى والثقافى المتطرف، مع تنامى تأثير الجماعات المسلحة وعنف الشرطة، إلى جانب إساءة معاملة المهاجرين غير الشرعيين، بمن فيهم الأطفال، فضلا عن تهميش الأقليات فى البلاد فى مجال السياسة وما إلى ذلك.
مما سبق يستوجب من الجهات أو المنظمات عند إصدارها التقارير التقييمية لأوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان فى مختلف دول العالم، مراعاة 3 أبعاد مهمة: الأول، يتعلق بتباين الخصوصيات الثقافية والسياسية بين مختلف الدول والأقاليم موضع التقييم، حيث تختلف تراتبية المؤشرات وأهميتها وفقا لهذه الخصوصيات، الأمر الذى قد يمنح مؤشرًا ما درجة ترجيحية أعلى فى منطقة عنه فى منطقة أخرى، ولا شك أن عدم مراعاة ذلك قد يجعل التقرير مضللا عن حقيقة الواقع الراهن فى هذه المنطقة.
البعد الثانى، يتعلق بضرورة مراعاة طبيعة الظروف السياسية والأمنية، إذ إن تطبيق ذات المؤشرات على كافة الدول بعيدا عن مراعاة ظروفها السياسية والأمنية يرتب رؤية غير واقعية لأوضاع حقوق الإنسان فى هذه الدولة.
على سبيل المثال هل من المنطقى تطبيق ذات المؤشرات فى الدولة اليمنية التى تواجه حكومتها الشرعية إرهاب جماعة الحوثى، متجاهلين أوضاعها السياسية والأمنية والمعيشية المتردية؟
أما البعد الثالث، يتعلق بالنتائج المترتبة على إصدار مثل هذه التقارير، إذ إن الأمر لا يتوقف فقط على مجرد التقييم السلبى أو الإيجابى من جانب تلك المنظمات أو الدول، بل تضمن التقارير توصيات ومطالب لهذه الدول وهو ما يعد تدخلا فى شئونها الداخلية، ليتعارض بذلك مع المبادئ التلا أقرها ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولى التى تؤكد احترام سيادة واستقلالية الدولة، وعدم التدخل فى شئونها الداخلية.
نهاية القول: إن التطورات التى يشهدها عالم اليوم تتطلب رؤية مغايرة فى إدارة منظومة حقوق الإنسان العالمية والإقليمية والمحلية، إذ إنه من غير المقبول فى ظل التحديات التى تتعاظم يوما بعد يوم أن يظل أسلوب إدارة ملف حقوق الإنسان بذات المنطلقات الثابتة فى حين أن ثمة تحولات أوجبت مراعاتها فى إدارة الدول لملفات حقوق مواطنيها، تلك هى الرؤية الواجب على دول الجنوب إعادة طرحها بما يتناسب مع أوضاعها وظروفها وتحدياتها.