البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
"محدش هيقدر يأخذ نقطة مياه من مصر، وإلا سيكون هناك حالة من عدم الاستقرار فى المنطقة لا يتخيلها أحد، ولا أحد يتصور أنه بعيد عن قدرتنا" بهذه اللهجة القاطعة وضع الرئيس عبد الفتاح السيسى خطًا أحمر جديدًا في سياسة مصر الخارجية، إذ يتذكر الجميع ما وضعه الرئيس من قبل بشأن الأزمة الليبية حينما حدد خط سرت الجفرة خط أحمر مانعًا التدخلات التركية وغيرها من تهديد الأمن القومى المصرى فى جواره الغربى على الحدود مع الشقيقة الليبية.

والحقيقة أن الصبر المصرى فى توجهاته الخارجية لا يعنى ضعفًا أو نسيانًا للقضية أو تخاذلًا عن المسئولية، وإنما يعنى إعطاء الدبلوماسية دورًا أكبر فى تنفيذ أهداف سياسة مصر الخارجية، وهذا هو الفرق بين الصبر الاستراتيجى والضعف إذ يخلط الكثيرون بينهما بما قد يعطيهم إشارة خاطئة أن مصر لن تستطيع أن ترد التهديد أو تتعامل مع التحدى، في حين أن التاريخ بأحداثه يؤكد على أن مصر دائمًا اتسمت سياستها برفض العدوان أو التهديد باستخدام القوة، بل حرصت على مدار تاريخها أن تجعل السلام عنوانًا لسياستها، والتعاون نبراسًا لتحركها، والحفاظ على الأمن والاستقرار هدفًا لعلاقاتها الإقليمية والدولية.

وإذا كان الخط الأحمر نمطًا معهودًا فى سياسة الدول الكبرى التى ترفض أن يمس أحد هذا الخط دون أن تحدده على وجه الخصوص، فإن الحديث المصرى اليوم عن خطوط حمراء فى حماية أمنها القومى يؤكد على أن مصر استعادت مكانتها الإقليمية ودورها الدولى بعدما تعرضت لأزمة كادت أن تعصف بكيان الدولة ما بعد 2011، وأن ثورة 30 يونيو 2013 أعادت لمصر بوصلتها لتنطلق الدولة بقيادتها الحكيمة ومؤسساتها الأمنية والسياسية فى استعادة الدور الذى تراجع كثيرًا، وظن كثيرون أنه انتهى، وهو ما أثبت الواقع خطأ هذا الفهم وسوء هذا الظن، بل مصر بموقعها الجغرافى وبمكانتها التاريخية تشكل زاوية مهمة فى أية ترتيبات إقليمية، بما يجعل من الصعوبة بمكان تجاهلها أو المسّ بأمنها واستقرارها.

وغنى عن القول إن ما سبق ليس كلامًا مرسلًا أو أمنيات حالمة، وإنما واقع عملى نجحت مصر فى إثباته من خلال العديد من المواقف التى اتخذتها بدءًا من الأزمة الليبية مرورًا بالأوضاع الفلسطينية وصولًا إلى الأزمة الإثيوبية وتعنتها فى ملف سد النهضة، ففى كل هذه المواقف وغيرها أثبتت مصر أنها قادرة على التعامل بحرفية وبكفاءة متميزة فى إدارة هذه الملفات دون المساس بمصالحها وأمنها القومى، ودون الاعتداء على مصالح الآخرين أو التدخل فى شئونهم، بل كانت الخطوط الحمراء سياجًا دفاعيًا فى مواجهة الاعتداءات والخروقات التى يرتكبها البعض لتهديد المصالح المصرية.

نهاية القول إن أزمة سد النهضة التى يحاول البعض التلاعب فى أبعادها بهدف تهديد المصالح المصرية لا يمكن أن تكون أداة فعالة فى يد الغير فى ظل قيادة سياسية واعية بحجم التحدى، وقادرة على رسم مساحات التحرك حفاظًا على أمننا القومى ودفاعًا عن مصالحنا الاستراتيجية دون الإضرار بمصالح الآخرين وطموحاتهم فى تحقيق التنمية شريطة ألا يكون ذلك على حساب مصلحة الشعب المصرى وطموحاته.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز