حسام الدين الأمير
حقًا، فأمثال محمد حسين يعقوب وآخرون أخذوا من اللحية البيضاء والجلباب الفضفاض الزى الرسمى فى دعايتهم فخربوا عقول شبابنا ودمروا نفوس رجالنا ونسائنا؛ ولعبوا على عقليات خربة ومسطحة وزادوها تجريف؛ وأثروا على الجوانب النفسية داخل البشر؛ فجعلوا مريديهم يتقبلوا فتنهم على أنها "فتوى"؛ وتعاليمنا الدينية الحقيقية السمحة على أنها "بدعة"؛ وتقاليدنا الراقية على أنها "جرم"؛ وسلامنا على الآخر بأنه "كفر".
رغم أن هؤلاء الدعاة هم أول من يحجون إلى أمريكا ويتقاضون مقابل فتواهم وسمومها المارد الأخضر، وهو الدولار؛ وهم من يبيحون مقاطعة البضائع الأجنبية وأول من يشتروها؛ ويجرمون التطبيع مع إسرائيل وأول الساكتين عن ممارساتها بحق ما يحدث في الأراضي المحتلة؛ يصفون رجال الأمن بالطواغيت؛ وهم أول من يتملقون لهم لو أصابتهم مصيبة؛ يحرمون ويحرمون ويجيزون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم.
وللأسف، كل يوم نكتشف واحدا جديدا من هؤلاء الذى يمكن وصفهم بأنهم "مرتزقة الدين" ممن كانوا على رأس المشهد سابقًا؛ فتبعهم الألوف على مستوى مصر والوطن العربى؛ وكانوا تابوهات لا يمكن أن يمسهم أحد بحرف لأن ورائهم مريدين يردون عنهم؛ والكارثة ليست فيهم فحسب بل فى العقول التى خربوها، وتدس سمومها دون أن تكتشفهم داخل مجتمعاتهم ويروجون للأحاديث المکذوبة بين عامة الناس مستغلين فى ذلك بساطة من يسمعهم؛ وجهل من يتبعهم؛ وفقر من يمشى وراءهم.
قال المولى عز وجل فى كتابه الكريم فى سورة "البقرة": "بسم الله الرحمن الرحيم.. وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ".
وتجار الدين هؤلاء توعدهم الله في الآخرة حين قال فى محكم أياته فى سورة "آل عمران": "بسم الله الرحمن الرحيم.. إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ".
وما يهمنا هنا ما جاء فى شهادة محمد حسين يعقوب أو الشيخ؛ الأمر الذى يطرح السؤال المهم من الذى أجاز له اللقب؟ وهو فى الأصل خريج دبلوم معلمين كما جاء فى أقواله أمام المحكمة؛ وأن كل ما يقوله عبارة عن اجتهادات شخصية من خلال قراءته؛ والسؤال الآخر من هو الشيخ أصلًا وعلى من نطلق هذا الوصف؟ ومن هم الأحق بالفتوى أو من نأخذ عنهم الفتاوى؟ وهنا يأتى بشكل كبير وأساسى دور الدولة فى التوعية ودور المؤسسات الدينية فى التحذير من هؤلاء وأمثالهم، ومن فكرهم وضرورة مواجهتهم وفضح أكاذيبهم؛ وهنا للأسف الشديد جاء في أقوال هذا المتهم أن بداية دعوته كانت عام 1978 أى منذ ما يقرب من 40 عامًا وهو يدس سمومه فى جيل كامل؛ وكانت دعوته من فوق المنابر والمساجد وعن طريق القنوات التلفزيونية؛ وهنا الجرم الأكبر من الذى سمح له بأن يعتلى المنبر وهو ليس متخصصًا؛ ومن الذى حاوره على شاشة التليفزيون والفضائيات وهو ليس فقيهًا؛ بل وصل الأمر إلى تقديس أمثاله وآخرون؛ وهنا لا أعفى المسئول من مسئوليته؛ أيًا كان من هو سواء الإعلام أو المؤسسة الدينية أو أو أو..؛ فالكل لا بد أن يتحمل المسئولية ليس تجاه هذا الشخص فقط؛ بل تجاه شخوص كل من خرجوا علينا فى الإعلام والمؤتمرات حاملين وصف الشيخ أو لقب الداعية أو المتخصص فى شئون التيارات الإسلامية وغيرها من المسميات التى تعيد إلى الأذهان فكرة الناشط والخبير والمحلل.
ودعونا نعود بذاكرة السمكة إلى الوراء ونتذكر لهذا المتهم صراخه للمصريين بأنها "غزوة الصناديق" وقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى 19 مارس 2011؛ والتى كان الإخوان يسعون إليها بشكل فاضح تحقيقيًا لمأربهم الخسيسة حتى يتسنى لهم فتح باب الانتخابات الرئاسية سريعًا أمام مرشحهم؛ وبعد نجاح غزوة الصناديق صرخ يعقوب فى خطبته بمسجد الهدى بإمبابة "متخافوش خلاص.. البلد بلدنا".
ذلك اليعقوب الذى كان يظهر أمام الجميع وعلى الفضائيات على أنه سلفى العقيدة والمنشأ والهوى قال فى اعترافاته أمام المحكمة؛ أنا لا أنتمى إلى حزب أو جماعة، وأقول إن لهم منهجهم؛ وأنا أنتمى إلى المذهب الحنبلى؛ وأخذ منه ما أريده فقط؛ وبسؤاله عن ما هو الفكر السلفى ومضمونه؟ كان رده هذا السؤال يوجه إلى دعاة الفكر السلفى؟ الأمر الذى يضعنا أمام تمثيلية هزلية يتاجر فيها هؤلاء الدعاة بالدين متاجرة فاجرة؛ وأمام الجميع فيحرفون كلامهم ويتنصلون من فتواهم؛ ويتناسون مواقفهم.
فهذا اليعقوب نسى أنه فى 18 أبريل 2014 اعتلى منبر مسجد الرحمن الرحيم بقرية المطاهرة القبلية بمركز أبوقرقاص عنوة ودون ترخيص، ومنع الشيخ محمد عز الدين، وكيل وزارة الأوقاف لشؤون الدعوة، من ممارسة عمله وأداء خطبة الجمعة وعاونه فى ذلك النائب السلفى السابق محمد طلعت، لقيامه ومن معه من الجماعة السلفية بالتعرض لرجال الأوقاف، ومنعهم من دخول المسجد، وغلق أبوابه فى وجوههم، ومنعهم من ممارسة عملهم، وتمكين يعقوب من خطبة الجمعة بالمخالفة؛ فهل هذا هو الإسلام فى نظرهم يا سادة؟
هؤلاء المتاجرين بالدين أول من طالبوا الشباب بالاعتصام فى رابعة والدفاع عن الشرعية والخروج على الحاكم؛ وهم أول من هربوا فى زى النساء متنكرين؛ وأول من ذهبوا لقطر وتركيا وليبيا وبريطانيا وأمريكا؛ وظهرت صورهم وهم يتناولون الطعام ويتسوقون فى المولات؛ وتناسوا ونسوا أنهم قدموا شبابًا مسالمًا وثق فى فكرهم قدموه كوقود لإشباع غرائزهم الدنيوية وشهواتهم السياسية.
وهنا يعقوب ليس الأول والأخير فكلنا يتذكر فتاوى وأكاذيب وألاعيب العشرات أمثاله مثل محمد حسان وأبوإسحاق الحوينى وحازم صلاح أبوإسماعيل؛ وعبدالله بدر؛ وعبدالرحمن البر - مفتى جماعة الإخوان المسلمين؛ وطارق الزمر؛ وعاصم عبد الماجد وآخرين.
الأمر الذى يضع مؤسسات الدولة جميعها بأن تكون أمام مسئولية حقيقية وأن تتبنى مشروع قومي للتنوير والوعى الفقهى والدينى ومحاربة دكاكين الفتاوى المنتشرين فى الزوايا والمساجد الصغيرة داخل القرى والنجوع؛ وأن يكون هناك تشريع رادع ضد من يلعب بعقول أولادنا؛ وأن تكون الجمهورية الجديدة هى جمهورية النور والوسطية والثقافة بتأهيل جيل حقيقي يقدم الدين والعلم والفقه والشريعة بمفهومها الصحيح.