البث المباشر الراديو 9090
أحمد عنتر
مات الرجل.. أغلق عينيه على الجمر المنطفئ، الذى طالما أمسكه بيديه مشتعلا – كما كان يقول دوما – ويخشى إفلاته حتى لا تحترق البلاد.. مشهد ربما تراءى قبل الفراق، ليجسد عقيدة المشير محمد حسين طنطاوى، كما ذكرها الرئيس عبد الفتاح السيسى.. كان مؤمنا بالله ثم وطنه، حاملا على الدوام عبء المرور بالمراحل الفارقة بسلام.

كان هادئ الطبع جاد الملامح منضبط الحديث قليل الكلام، أو كما ينبغى للقائد العسكرى أن يكون، لكن ذلك الرجل الهادئ الحكيم، فى الوقت نفسه، مرت على جسده، الملفوف بالوطنية، أحداث كثيرة كان يتهم بأنه المتسبب الأول بها، إلا أنه ظل مترفعا أبدا عن الرد، مانعا للآخرين من الرد نيابة عنه.

"والله العظيم المشير طنطاوى برىء من أى دم فى أحداث ماسبيرو ومحمد محمود وستاد بورسعيد ومجلس الوزراء".. الأحداث تلك التى تحمل طنطاوى عبء اتهامه بها، اختار الرئيس السيسى أن يبرئ منها الرجل الكبير، بعد أن استتبت الأمور وانطفأت الجمرة، لتصبح شهادة السيسى البراءة السياسية الأكثر إنارة فى التاريخ الوطنى للراحل الكبير.

شهادات المقربين من الراحل، حين جرت الانتخابات يوم 28 نوفمبر 2011 وأسفرت عن فوز الإخوان والسلفيين بأكثر من 70 بالمئة من مقاعد البرلمان، أثبتت أن الرجل كان ملما بخيوط السياسة وقتها بل كان مستشعرا الخطر المحدق بمصر جراء ما وقع من تغيرات سياسية لا تتوافق مع مصلحة الوطن العليا.

وطنيا كان المشير صاحب العقلية الفذة مؤمنا بقوة أن جماعة الإخوان الإرهابية لا يُؤْمَن لها، لكن الرجل كان يستهدف الاستقرار ممسكا بجمرة من الخطر، ظل يؤرجحها بين كفيه حتى لا يحترق الوطن، وظل كذلك حتى وصل بالبلاد إلى البر الأمين مطمئنا إلى رسالته.

طنطاوى كان مؤمنا فى الوقت نفسه، منذ اعتلاء الجماعة للسلطة، أنهم لن يستمروا طويلا، بل كان متوقعا سعيهم الحثيث للاستئثار بالسلطة وكان جادا فى كشف ذلك لكنه – بسلاسة وحكمة - ترك القضاء للشعب وحده، بل نجح أن يُحدث انتقالا سلميا للسلطة، دون حدوث انشقاق بين صفوف القوات المسلحة أو حتى الشعب المصرى.

أما عسكريا فقد كان القائد طنطاوى، الذى ولد فى 1935، لا يشق له غبار، بل كان يملك براعة منقطعة النظير حملها صوته الوقور الصارم فى مزيج واحد، عندما قال عبر تسجيل تليفزيونى نادر "بسم الله الرحمن الرحيم، العميد أركان حرب محمد حسين طنطاوى قائد الكتيبة 16 مشاة فى حرب أكتوبر"، معرفا عن نفسه بعد انتهاء الحرب بسنوات، ليروى بطولات كتيبته.

الرجل تحمل مسؤولية المعركة الكبرى التى خلدها التاريخ مساء يوم 15 أكتوبر، مع كتيبته العظيمة التى أحبطت عملية "الغزالة المطورة" الإسرائيلية، حين تصدت بالمقاومة العنيفة لمجموعة شارون ضمن فرقتى مشاة ومدرعات مصريتين فى الضفة الشرقية، والتى وقعت فى منطقة مزرعة الجلاء المعروفة باسم "المزرعة الصينية"، لتكبد الكتيبة 16 مشاة - بقيادة العميد طنطاوى حينها - الإسرائيليين خسائر فادحة.

مات الرجل وبقيت سيرته حية رطبة شاهدة على حقبة مليئة بالتحديات، التى أثرت مصر وأثرّت فيها، سيرة تمثل علامة واضحة على بطولة متعددة المراحل: بطل فى الحرب وبطل فى الفوضى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز