جمال رائف
بعد أن استقرت الدولة المصرية عام 2014، وفور تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى المسؤولية، عملت مصر بشكل متوازى فيما يتعلق بمجابهة تحديات الداخل وأيضًا الخارج، وأهم تلك التحديات الخارجية التى تبعت فترة ما بعد عام 2011، هو ما تعلق بتراجع الدور المصرى إقليميًا ودوليًا، وتذبذب صورة مصر فى الخارج ما انعكس على تطور العلاقات الخارجية للدولة، وبالتبعية تأثرت الاستثمارت الوافدة من الخارج، هذا بجانب تسيس بعض الأطراف الدولية لملفات مثل حقوق الإنسان والإرهاب والهجرة غير الشرعية، فى محاولة لتشتيت جهود الدول التى تعرضت لرياح الخريف العربى، بما لا يمكنها التخلص من الفوضى، عوضًا عن احتدام الصراع الدولى بين القوى الكبرى، والذى كان الشرق الأوسط ودوله مسرحًا لهذا الاحتراب بالوكالة، والذى استخدمت فيه الأسلحة غير المشروعة وبشكل غير إنسانى، الأمر الذى خلف ملاين القتلى وملاين الاجئين.
نهج جديد وثوابت راسخة
وسط هذا العراك الإقليمى كان على مصر أن تطور من أدواتها الدبلوماسية للخروج من تلك المعادلة الفاشلة التى يفرضها الواقع الإقلمى، تأسيسيًا لنمط علاقات خارجية يعتمد على خلق توازنات بعلاقات القاهرة مع الأطراف الدولية كافة، والانخراط فى القضايا الإقليمية كعنصر حل لا عنصر تأجيج للصراع ضمن ثوابت مصر الراسخة بدواليب دبلومسياتها، المعتمدة على إيجاد حلول سياسية والحفاظ على سيادة الدول ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها ومحاربة الإرهاب وغيرها من الثوابت التى تهدف إلى ترسيخ السلم والأمن الإقليمى، بما ينصب إيجابيًا على مختلف أبعاد الأمن القومى المصرى، ولتحقيق تلك الأهداف لم تعتمد الدولة المصرية على ادواتها التقلدية، بل أصبحت الدبلوماسية الرئاسية أكثر تأثيرًا ونشاطًا، ما أنعكس على جولات الرئيس عبدالفتاح السيسى الخارجية ومشاركته فى مختلف المحافل الدولية والإقليمية، أيضًا عززت مصر من فكرة إنشاء تكتلات اقتصادية وسياسية مع الدول التى ترتبطها بها مصالح مشتركة، وبالفعل نجحت الدبلوماسية المصرية فى الوصول لهذا الهدف وكانت أوروبا أحد أهم الشركاء فى هذا الإطار.
التحالفات المصرية الأوروبية
الاتحاد الأوروبى شريك اقتصادى هام واستثنائى فهو يساهم باستثمارات فى الداخل المصرى تصل إلى 40 مليار يورو، هذا بجانب تشابك المصالح السياسية والأمنية، وأيضًا الروابط الثقافية والتاريخية، لهذا سعت مصر عقب عام 2014 لتدعيم علاقتها مع الجانب الأوروبى وفى عام 2015 تم العمل على هيكل اتفاقية الشراكة الثنائية بين الاتحاد ومصر، إلى أن تم اعتمدها من مجلس الشراكة الأوروبية فى عام 2017، بالتوازى وبالعودة لعام 2015 أنطلقت قمة مصرية يونانية قبرصية فى أثينا لتدشن ما يمكن وصفه بـ"ترويكا" شرق المتوسط، والذى نتج عنه فيما بعد تدشين منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019، بينما كانت مصر تصنع مجدًا جديدًا فى علاقتها مع الجانب الأوروبى، سعت دول وسط أوروبا للاستفادة من هذا الحراك المصرى الذى أنعش تلك العلاقات وادخلها الى آفاق أرحب، وبدأ بالفعل تجمع فيشجراد، والمكون من (المجر، وتشيك، وبولندا، وسلوفاكيا) منذ عام 2014 ترقب الانفتاح المصرى على الجانب الأوروبى وفى عام 2016 زار القاهرة وزراء خارجية فيشجراد.. ثم قام الرئيس السيسى بالمشاركة لأول مرة كزعيم عربى وإفريقى بقمة فيشجراد التى أوجدت آلية خاصة للتعاون مع مصر، وهذا لم يحدث من قبل سوى مع اليابان وألمانيا، ما يعبر عن الخصوصية التى تتمتع بها مصر كشريك سياسى واقتصادى لدول هذا التجمع الهام لأوروبا الوسطى.
فيشجراد ومصر طموحات لا متناهية
تجمع مصر ودول فيشجراد اهتمامات مشتركة سواء على الصعيد الإقليمى وهنا سنجد ملفات تتعلق باستقرار ليبيا والقضية الفلسطينية والهجرة غير الشرعية ومحاربة الإرهاب أو على صعيد العلاقات الثنائية، وهنا يظهر الزخم فى حجم التعاون الاقتصادى الذى كلل بصفقة القطارات المجارية والتى يتشكل قوامها من 1300 عربة قطار، وبجانب الأطر التقليدية للتعاون المشترك بين الجانبين تسعى المجر، ووفق ما صرح به وزير خارجيتها فى زيارته الأخيرة للقاهرة، للاستيراد الغاز المصرى وهذا بعد وصوله إلى اليونان، مشيرًا إلى أن بلاده تنتظر الانتهاء من خط الغاز اليونانى البلغارى، وأكد أن حينها سيكون هناك فرصة لمصر أن لتوزع الغاز إلى أوروبا الوسطى عبر المجر، تصريحات وزير الخارجية المجرى توضح أن الدوائر الدبلوماسية التى صنعتها الإدارة المصرية متصلة ومتشابكة وتخدم فى نهاية الأمر الداخل المصرى، لنجد ما بين تحالف شرق المتوسط والفيشجراد طريقًا للتعاون أسست له الدبلوماسية المصرية تمكن من إخضاع الجغرافية وترويض التضاريس لتحقيق أحلام الشعب المصرى فى التنمية والرخاء.