البث المباشر الراديو 9090
أحمد عنتر
على ضفاف النهر عاش الإنسان الأول متشبثا بوحدته، متأملا فى كثرة الموارد من حوله مع ندرة الساكنين، أخذ يحرث فى الأرض لينبت لمن حوله الزرع ويملأ الكون جمالا دون تفريط، فكفته الطبيعة شر الحاجة، لكنه بدأ يستشعر الخطر مع ازدياد العدد ولهو التكاثر، فازدادت الجريمة وأكل الصغير الكبير وانحدر البنيان وارتبك العمران، ولأنه لم يكن ذو بصيرة أو تبصر اشتبكت عليه الأمور فعاث فى الأرض جوعا وفسادا وكفرا بالنعمة.

هذا السيناريو الطبيعى فى حقبة زمنية ليست خافية على المصريين، نموذج يمثل الفكرة لمن ألهاهم التكاثر أو غرهم العدد بإفراط، إذ عليهم أن ينتبهوا إلى أن الحياة الكريمة مردها إلى موارد تكفى عند العوز، ومؤونة تسد عند الحاجة، لكن تلك الفكرة السهلة غير الملتبسة – رغم ذلك – تحتاج إلى معركة وعى لا تتوقف.. تحتاج إلى ثقافة تبعث فيها الروح وتحيى لدى المصريين حلم التنمية بكاهل غير مثقل بأرقام سكانية مرعبة، أرقام قالت عنها التقارير جميعها – دون مواربة أو تجاهل -  إنها مدمرة لكل جهود الإصلاح والنماء.

"بنحاول نحسن أحوال الناس وخلى بالكم التحسين مش أموال بس، ولكن ضبط نمو سكانى، موارد الدولة كانت فى 1900 شكل ودلوقتى شكل تاني، قيمة الجنيه دلوقتى مش زى قيمته من 100 سنة"، الرئيس عبد الفتاح السيسى لم يخف كعادته شيئا عن المصريين، كان حاسما وصريحا فى حديثه عن الزيادة السكانية وما يرتبط بها من موارد لا تكفى، مع تزايد متسارع ينذر بكارثة حقيقية، تعطل مسار التنمية وتعيق أحلام المصريين فى وطن يتمناه الجميع.

الرئيس يتحدث بإحصائيات ودراسة ووعى، لم يبقِ حقيقة لتكشفها الظروف، بل كان حاضرا ليوضح ويشرح أن الشبح الرابض فى أرض مصر بين أهلها يهدد أجيالهم القادمة، دون توقف أو فتور، كان حديثه شافيا واضحا سلسا، بل صادما وصريحا فى الوقت نفسه، عندما أكد أن "النمو السكانى ما لم ينخفض إلى 400 ألف فى السنة لن نشعر بما تقوم به الدولة، فالرقم المناسب لعدد سكان مصر الـ100 مليون نسمة هو 16 تريليون جنيه"، وهنا عرض الرئيس المشكلة والحل المقترح لها فى إيجاز، واضعا الأمر بين يدى المصريين، الذى يتأمّل منهم كعادته أنهم لن يخذلوه أو يخذلوا الوطن، كما فعلوا فى كل حديث ومناسبة.

ورغم أن الإشارة حاضرة من الرئيس فى كل ملتقى بضرورة دعم الوعى وإظهر الخطر المحدق الذى يتهدد البشرية، وتحذر منه كل الأقلام المخلصة حول العالم، إلا أن التوعية بأثر الكابوس لم تكن حاضرة بقوة كافية، فالنمو فى تسارع والموارد باقية، مع محاولات كبرى لا تتوقف من القيادة السياسية للمحافظة عليها واستثمارها دون هوادة.

أثر التوعية غير الكافية ظهر فى بيان الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، الذى عالج أرقام الانفجار السكانى بوضوح، تلك الأرقام التى سترسم واقعا شنيعا، حال استفحال الأمر وعدم معالجته ذاتيا بشكل حاسم وحقيقى، وهو التوقع أن يصل عدد السكان إلى 192 مليون نسمة فى 2052، فالوعى غير الكافى وضع الدولة فى حرج أمام أهدافها الحقيقية ضمن الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية، والتى استهدفت عبر حملات الدعم والتوعية وصول سكان مصر عام 2020 – على أقصى تقدير - إلى 94 مليون نسمة، غير أن الرقم فى الثالث من أكتوبر الماضى بلغ 101 مليون نسمة بزيادة 7 ملايين عما كان مخططا له، لذا يتوجب على كل الأقلام المحبة لوطنها، وضع الأمر نصب أعينهم لدعم إرادة القيادة السياسية فى الحفاظ على مستقبل البلاد والحلم المصرى المعلق بيد شعبها وقيادتها.

على الجانب الآخر من النهر، كانت توجيهات الرئيس والحكومة فى الوقت الحالى مثمرة، فعلى صعيد واحد – ضمن تحركات عدة - نجحت وزارة التضامن الاجتماعى فى تدشين عدد من المشروعات المؤثرة خلال السنوات الأخيرة، لضبط النمو السكاني، كان أبرزها برنامج وعى للتنمية المجتمعية والذى يهدف إلى تغيير السلوكيات المجتمعية السلبية المعوقة للتنمية البشرية والاقتصادية، من خلال إمداد المواطنين بالمعارف والمعلومات العلمية والقانونية والدينية الموثقة فى 12 قضية مجتمعية أبرزها "التمكين الاقتصادي، وصحة الأم والطفل، والتربية الوالدية الإيجابية، والزيادة السكانية، وزواج الأطفال"، كذلك كانت هناك خطة مشتركة بين عدد من الوزارات أبرزها وزارة التضامن والصحة والتخطيط والإعلام والأوقاف، فى محاولة لضبط النمو السكانى فى مصر بالشكل الأمثل.

فى النهاية علينا أن ندعم جهود الدولة فى معركة الوعى والتثقيف السكانى، فنحن كما ننظر بإبهار ومديح إلى نجاحات مصر الاقتصادية فى النمو والإيرادات والمشروعات الفائقة للخيال، علينا أن ننظر إلى تجاوز عدد السكان عتبة الـ 100 مليون نسمة، وسط زيادة سكانية تزحف على الإنجاز فى تشرس وإهلاك.. ذلك العدد الفائق الذى يهلك الحرث ويعيق المسار ويقتل أحلام الأجنة قبل الميلاد، فى حياة كريمة، ومستقبل يتمناه الحبيب ويخشاه العدو.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز