جمال رائف
عدة مآلات تحدد الإجابة على هذا السؤال الصعب منها أن تبقى حالة الاقتتال الداخلى مستمرة، وهذا بالطبع سيصعب من الاتجاه نحو بناء سياسى جديد يحافظ على طبيعة الفيدرالية الإثنية، وبالتأكيد مع تعثر تلك الخطوة سيتعثر بالتبعية البناء الاقتصادى الذى هو فى الأصل يعانى من انهيار فعلى، خصوصا مع غياب الأمن والاستقرار الداخلى، وهنا الحديث عن الانتحار القومى كونه السيناريو المرجح حيث ستعلو الصيحات الانفاصلية ونجد إثيوبيا تتحول الى دويلات كما حدث فى السابق إيبان استقلال إريتريا.
أما السيناريو الثانى أن يتوقف القتال بعد رحيل آبى أحمد وتبدأ جبهة تيجراى بالتعاون مع جبهة أورومو فى تشكيل تحالف جديد على غرار الجبهة الديمقراطية الثورية التى كانت تحكم والتى استبدلها آبى أحمد بحزب الازدهار الذى صنع تلك اللعنة السياسية وأشعل الحرب الأهلية فى الداخل الإثيوبى، وهذا المآل ربما يكون الأقل ضررا، بل الوحيد الذى من الممكن أن ينقذ ما تبقى من إثيوبيا، ولكن لتحقيقه يجب أن يتنازل أصحاب إقليم امهرة عن أحلامهم القديمة التى توارثوها من حقبة الإمبراطور، والانصياع مجددا للجبهة الاقوى على الأرض والمتمثلة فى تحالف تيجراى واورومو، وهو الأمر الصعب إذ يرى الأمهرة فى أنفسهم ورثة الحكم الحقيقيين استنادا إلى عددهم الأكبر الذى فى واقع الأمر لم ولن يصمد أمام قوة جبهة تيجراى وهذا استنادا للتاريخ والواقع.
الداخل الإثيوبى ملئ بالضباب الذى يحول بيننا وبين رؤية مستقبل اثوبيا بعد آبى أحمد، بينما تظل كل السناريوها تمثل تهددا لمنطقة القرن الافريقى وشرق القارة الإفريقية بشكل عام، خصوصا فى ظل التشابك الإثنى والعرقى المتواجد بين المكون الإثويبى ودول جوارها وما يحمله هذا التشابك من تاريخ حافل بالصراعات والاقتتال، أدى مثلا لانفصال إرتيريا من قبل، ومن ثم فمن المؤكد أن القضية الإثيوبية لم تعد شأن داخلى مهدد للشعوب الإثيوبية وحدها، بل إنها باتت قضية أمن قارى تهدد بانفجار الأوضاع فى نطاق إقليمى هو فى الأساس يشهد توترات بمختلف دول الجوار الإثوبيى، ما يعنى أننا بصدد المرور إلى فوضى بمنطقة القرن الإفريقى المتسبب فى اشتعالها هو رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، والذى بات رحيله عن المشهد قاب قوسين أو أدنى، فى ظل تقدم جبهتى تحرير تيجراى وأورومو نحو العاصمة اديس ابابا.
وبما إن هناك اتفاقا على كون القضية الإثيوبية أصبحت تمثل تهديدا صريحا للسلم والأمن الاقليمى، بالتالى لا يجوز بأى حال من الأحوال أن تظل منظمة إقليمية بحجم الاتحاد الإفريقى تحت سطوة هذا التهديد، الأمر الذى يعيق عملها المعنى به أكثر من مليار مواطن إفريقى، بالإضافة لما يمثله الوضع الأمنى فى الداخل الإثيوبى من تهديد واضح للبعثات الدبلوماسية العاملة فى الاتحاد الإفريقى، ما يؤثر سلبا على أداء المنظمة الإقليمية خصوصا فى ظل سحب معظم الدول لبعثاتها الدبلوماسية نظرا بسبب المخاطر الأمنية، وحتى لا نصل ليوم نجد فيه مقر الاتحاد الإفريقى فى أديس أبابا قد أغلقت أبوابه، يجيب التفكير بشكل جاد فى نقل المقر إلى مكان أمن لحين استقرار الأوضاع وهذا حفاظا على دور المنظمة الإقليمى وحياة البعثات الدبلوماسية.
أخيرا يمكن القول أن آبى أحمد حاول إشعال النار فى محيطه الإقليمى فاشتعلت البراكين فى جعبته لتتبدد أوهامه، ليترك من بعده أرضا محروقة للشعوب الإثيوبية سيتطلب إعادتها للحياة عقود جديدة لا مكان فيها لأبى أحمد ومن على شاكلته.