أحمد عنتر
لا أحد بيننا يرتبط بأشيائه العتيقة إلا إذا كانت تمثل له جرحا خاصا لم ولن يندمل، ولعبة المصالح فى "زماننا" لها مقاييسها الخاصة.. هكذا جلست على سريرى أحسب كيف ينتقل صوته المفعم بنشاط لا يعلم هو نفسه أنه طاقة ستنفذ قريبا جدا، طاقة ستنضم إلى روبابيكيا جسده الذى عندما سيبلى سيضمه قبر مجهول، شاهدا مهجورا لا قيمة له.
"بيكا، روبابيكا"، تحسست فراشى، الذى بدأت حياتى على فراش مثله وربما ستنتهى على آخر يشبهه. نفسيا لا أبتلع فكرة الموت السريع، هذا يحدث للآخرين فقط، لأن من هم على شاكلتنا مكتوب عليهم أن يعانوا تجارب "مقدسة" بدءا من الميلاد حتى الموت، لابد من ملاحم ترتبط بآثارهم وذكرياتهم، هم يحبون هذا ويتطلعون إليه، ويرغبون فى موت غير أنيق.
ربما حب البقاء والرغبة فى الترقى مجتمعيا وربما إنسانيا، كان هو الدافع كما أظهره سيجموند فرويد، الذى كان مصمما أن أفعال البشر تنبع أساسا من شيئين "الغريزة" أو "جنون العظمة" ورغبة البقاء. الواقع يقول، حتى الفنى والاجتماعى منه، إن فرويد كان محقا، فكتب العلاقات المشبوهة هى الأكثر انتشارا، وفضائح أهل الفن وغيرهم، هى الأكثر رواجا وحديثا، و"روبابيكيا" الشخصيات الكرتونية فى كل المجالات، التى تظهر وقت المصلحة فقط، هى الأكثر مبيعا على أرصفة "الحياة".
أحدهم قال أمس فى حديث تليفزيونى إنه انقطع عن الظهور الإعلامى لأربعة أشهر وظهر فقط ليخدم شباب الفن من "الطامحات" – الطامحات فقط دون الطامحين - إلى المجد، "روبابيكيا فنية"، وهناك مناضلون بدأوا باحترام، لكن "القِدم" جعلهم بلا قيمة، وعقلياتهم "شاخت" بعد شباب، و"جاعت" بعد "شبع"، لكن رغبتهم فى البقاء، كما علل فرويد، جعلتهم يقبلون بالسقوط عمدا وسط "كراكيب" الحسبة المجتمعية، يبحث عنهم صاحب المصلحة بين تلك الكراكيب عندما يحتاج إليهم، ليوجهوا الشباب أو يقودوا نزاعا على مطلب، ووسط كل هذا هناك عقول "نابهة" غطتها "تابوهات" الجهل الدينى والاجتماعي، وقدمتها قرابينا لدنيا "مختلة" الميزان، تنصف فقط أنصاف المواهب.
أنت تحلم بترقية أو منصب لأنك راغب فى التعاظم، خضوعا لعقدتك الخاصة، وتلوم على "زوجتك" أنها وضعت "برفانا" عند خروجها للتسوق، لأنك اعتبرت أنها تفرغ انفعالات جسدية معينة بأسلوب راق، ظاهره "التحضر" وباطنه "عقدة فرويدية"، وليس لأنها، كما قالت، تحب أن تكون رائحتها طيبة من باب "النظافة".
لقد خلقنا لأنفسنا مجتمعا معقدا، ومستقبلا معقدا، ونتظاهر على سجادة الصلاة بدعائنا إلها رحيما أن يمن علينا بلقيمات تحفظ حياتنا، وأموالا تحفظ كرامتنا، ونجاحا يغنينا بين الناس "عظمة"، حتى لو كانت تلك العظمة ستقربنا إلى الشيطان زلفى.. ربما ذلك الانفعال الضارب فى نفسى بسبب "روبابيكيا السقوط والفشل"، جعلنى رغم أنفى أدق عنقى فى بعض كلمات قاسية، لآخذ موقعى بعد تلك الكلمات، راضيا، وسط "مجتمعنا الضارب فى التعقيد".